أدب الكتابة وعبقرية التعبير
رحلة من دهاليز مدرسة المتنبي إلى آفاق الكاتب العبقري
هذه القصة الطريفة ليست مجرد ذكرى عابرة، بل هي الحجر الزاوي الذي أعاد تشكيل بوصلة حياتي، وأزعم أنها ستظل رفيقتي إلى أن ألقى الله سبحانه وتعالى، وعسى أن يكون ذلك اللقاء وهو راضٍ عني. بدأت فصولها في مدرسة المتنبي الثانوية، حيث كان يدير صرحنا الأستاذ محمد إسماعيل المرشدي، ذلك الرجل الذي كان يسكنه الأدب ويجري الشعر في عروقه مجرى الدم. كان يطل علينا بين الحين والآخر بكلمات وتنبيهات سريعة في الطابور المدرسي، لكنه في ذلك اليوم ارتقى منبر الخطابة غاضبًا على ثلة من الطلاب الذين زلت أقدامهم في مخالفات خارج أسوار المدرسة.
حينها، لم يكن الأستاذ المرشدي مديرًا فحسب، بل كان في عيني قس بن ساعدة في بلاغته، أو سحبان وائل في فصاحته، ينثر الكلمات كأنها درر منثورة. وبينما كان هو يصارع لجة الغضب، ويحاول تقويم الاعوجاج إما باللين وإما بالعقاب، كنت أنا غارقًا في وادٍ آخر، مسحورًا بسحر بيانه الذي أخذ بمجامع قلبي.
ما إن انفض سامر الطابور، وهرع الجميع إلى فصولهم، حتى كنت قد سبقت المدير إلى عقر دار إدارته. كنت حينذاك نحيل البدن، وكان الأستاذ المرشدي يحيطني بوشاح من الإجلال والتشجيع، لكن ثورة الغضب كانت لا تزال تعتمل في صدره كبركان لم يهدأ بعد، فانتهرني بشدة قائلًا: اذهب إلى صفك يا عبد الله. لم أتزعزع من مكاني، بل واجهت ثورته بلكنة باردة شديدة البرودة، وقلت له: ليس قبل أن تخبرني من أين لك هذه البلاغة؟ أجابني بحدة: هذا ليس وقته. فقلت له بإصرار لا يلين: بل هذا هو أفضل وقت له.
عندما رأى مني هذا الإصرار الذي لا يقبل الارتداد، حوقل واستسلم لفضولي المعرفي، وقال لوكيل المدرسة الأستاذ حمود بن محمد العيسري رحمه الله تعالى: يا حمود، إن جاء أحد فقل له إن محمدًا مشغول الآن بما هو أهم من الأمور الإدارية. ثم جلس يلملم شعث نفسه ويحوقل حتى سكن عنه الغضب، وبدأ يقص علي الخبر اليقين.
قال لي: اسمع يا بني، لقد ولجت محراب معهد أزهري منذ كنت في الصف الأول الابتدائي، ولما بلغت المرحلة الإعدادية، كانت المناهج تفرض علينا كتابة تعبير لا يقل عن سبعة أسطر. سكت قليلًا ثم تابع: كنت حينها عندما أشرع في الكتابة، أشعر كأنني امرأة حبلى في مخاض عسير، وما كانت تلك السطور تخرج إلا شوهاء مشوهة، وكنت أذهب إلى حصة التعبير كالمغشي عليه من الموت، هربًا من التقريع والعتاب.
حقائق تربوية في فلسفة الكتابة
إن قصة أستاذنا المرشدي تفتح لنا أبواب الحقيقة في تعليم الكتابة، وأولى هذه الحقائق أن رمي الطالب في تيه الموضوعات التي لا تلامس شغافه هو خطأ بين تقع فيه أكثر المناهج العربية المعاصرة. الكتابة يجب أن تكون مرآة لهدف واضح، وأن تتدفق من قيم خماسية السكينة التي نؤمن بها:
إذا لم تكن الكتابة ترتوي من معين إحدى هذه القيم، فإنها محكوم عليها بالإخفاق الذريع.
القراءة هي الرحم الذي تولد منه الكتابة
الحقيقة الثانية هي أن قلم الأستاذ المرشدي لم يشتد عوده إلا بعد أن تضلع من القراءة. وتعلم القراءة السليمة والتعامل المباشر مع نصوص التراث هو المفتاح. وهذا ما حدث مع ابنتي خولة في صغرها، حين كلفتها بقراءة كتاب العمدة لابن رشيق القيرواني، فجاءت تشكو أنها لم تفهم شيئًا، فقلت لها: ليس هناك حل سوى أن تقرئيه ثانية وثالثة ورابعة حتى تفهميه. كان ذلك الموقف المر هو البذرة التي أثمرت بحمد الله ثلاثة كتب وهي لا تزال في الصف الثاني عشر، منها فواغي، وبقوة، وكتاب فلسفي بعنوان حينما تشعر الأشياء.
لذا، فإن منهجنا يمنع الطفل من الكتابة حتى يفرغ من منهج القارئ العبقري، ويتقن قراءة أي كتاب مشكول، ثم ننتقل به إلى مرحلة فصيح بن عوف ليتعامل مع التراث وجهًا لوجه، وحينها فقط نطلق لقلمه العنان.
الإبداع وليد التقليد الواعي
الحقيقة الثالثة هي أن الإبداع لا ينبت من فراغ، بل هو تعديل على أصل موجود. فالذي ابتكر الهاتف السيار إنما طور فكرة الهاتف الثابت، ثم جاء الهاتف النقال ليطور السيار، وهكذا في كل شؤون الحياة. والكتابة ليست استثناء، فعندما نطلب من الطالب الكتابة، يجب أن يكون بين يديه نص يتكئ عليه، فيغير في مفرداته ويحول جملة من مفرد إلى مثنى، ومن مذكر إلى مؤنث. هذه الطريقة التي انتهجناها في الكاتب العبقري تجعل الأمر هينًا على الطالب، عكس ما يحدث في المدارس حين يطلبون منه التعبير وهو لا يملك نصًا ينقل منه، فيظل حائرًا لا يهتدي سبيلًا. ومن أجمل الطرق في هذا الشأن طريقة حل المنظوم، وهي نثر أبيات الشعر البليغة بأسلوب النثر، مما يربي في الطالب ملكة الصياغة.
سحر القراءة الجاهرة
إن القراءة الجاهرة هي الوقود الذي ينمي الخطابة واللباقة والقدرات الكتابية، خصوصًا إذا كانت من نصوص الأدب الغض. ولو كان الأمر بيدي، لمنعت الأمثلة التعليمية المصنوعة الباردة، واستبدلتها بنصوص التراث الدسمة، لنجعل الطلاب يتملكون الآفاق العليا للبيان العربي.
التدرج الرباني في منهج الكاتب العبقري
توظيف منصات التواصل الاجتماعي
من أمتع الطرق الحديثة هي فتح حسابات للصغار تحت إشراف تربوي في إكس أو إنستجرام. في مركز العيصري، أطلقنا مشروع أقلام صغيرة، حيث كان العباقرة ينشرون يومياتهم وأخبارهم، مما ولد لديهم شغفًا بالكتابة لا يزال أثره باقيًا إلى اليوم. وقد تطور الأمر حتى أصدرنا ملحق مجلة أقلام صغيرة مع مجلة أيوب، فكانت مجلة يحررها ويصممها الأطفال بأنفسهم.
إن تعليم الكتابة هو صناعة لروح الأمة، وتجربة الأستاذ المرشدي تعلمنا أن الكتاب البسيط ذا الأوراق الصفراء قد يغير مسار حياة كاملة، فكيف إذا تضافرت المناهج الحديثة مع كنوز التراث العريق؟ إننا نسعى لصناعة جيل يكتب ببيان يسحر العقول، وبلاغة تهز المنابر، وعسى أن يكون هذا العمل مقبولًا عند رب العالمين.