نبض الجود: كيف نغرس في قلوب أطفالنا ثقافة العطاء؟
قصة حصالة صغيرة صنعت معنى كبيرًا في قلب طفل
منذ أكثر من ربع قرن، وفي رحاب أحد الجوامع الكبيرة بولاية بوشر العمانية العريقة، وقفت خطيباً أحث الناس على الإنفاق، وأستنهض فيهم الهمم لسد حاجة فئة مستحقة من المسلمين. كانت كلماتي تنساب بحماس استمددته من عظم القضية، لكنني لم أكن أعلم أن أعظم درس في ذلك اليوم لن يلقيه الخطيب من فوق المنبر، بل سيلقيه طفل صغير من فوق عتبة المسجد، ليكون برهاناً حياً على أن التربية هي "الغرس" الذي لا يخيب صاحبه.
عقب الصلاة، استوقفني طفل "وافر" الإيمان، توسمت في ملامحه براءة تفيض نبلًا. قال لي بلهفة تسابق أنفاسه: "يا عم، انتظرني حتى أذهب إلى البيت وآتي بحصالتي". توقفت للحظة، فمن الناحية الفقهية "الطفل ليس أهلاً للمعاطاة" بكامل أهليته، لكن والده الذي كان يراقب المشهد من بعيد، أدرك ما يعتمل في نفسي من إعجاب ممزوج بالتردد التربوي، فأقبل وأشار بيده موافقاً، مباركاً هذا النزوع المبكر نحو الفضيلة.
ذهب الولد وركب مع والده، ولم يبرح يوصيني وهو يطل برأسه من نافذة السيارة: "يا عم، أتعدني أنك لن تذهب؟". رددت عليه بابتسامة الواثق: "نعم، أعدك". وما هي إلا دقائق حتى عاد يحمل "حصالة فخارية"، كأنها كنز ثقيل بين يديه الصغيرتين. حين رآني لا أزال في انتظاره، انفرجت أساريره كفلق الصبح، وسلمني إياها بحبور غامر. سألته: "كم فيها؟" قال: "لا أعلم". سألته بفضول المربي: "وهل عندك غيرها؟". صمت قليلاً، ثم قال بصدق يزلزل الوجدان: "لا".
إن هذه التربية التي شهدتُ أثرها في بوشر هي امتداد لإرثنا العماني الذي تربينا عليه. في صغرنا، لم يكن أهلنا يكتفون بوعظنا عن الكرم، بل كانوا يجعلوننا "شركاء في العطاء". كان "الإنفاق اليومي" طقساً مقدساً؛ فلا يمر يوم تقريباً إلا ونُكلف نحن الصغار بإيصال "طُعمة" أو "عون" لبيت الخالة فلانة أو العمة فلانة، وللأيتام والمساكين في أطراف الحي. هذا التدريب العملي جعلنا ندرك مبكراً قول الله تعالى:
كانت المهام تتوزع بين إيصال الطعام اليومي، وبين المشاركة الفعلية في توزيع "زكاة الفطر" ليلة العيد، حيث نشعر بفرحة العطاء تسبق فرحتنا بالثوب الجديد. كما كان لعمليات توزيع "اللحوم" التي يوجه بها الميسورون من أهل القرية أثر بالغ؛ إذ يجمعوننا نحن الصغار قرب المسجد لنحمل الأكياس ونجول بها بين البيوت، فنعود بقلوب ممتلئة بالرضا قبل أن تمتلئ بطون المحتاجين.
ولكي نبعث هذه الروح في جيل اليوم، لا بد من استراتيجية متكاملة تتضافر فيها جهود البيت والمسجد والمدرسة، تراعي تدرج الطفل العمري وتخاطب عقله وقلبه في آن واحد.
أولاً: في البيت (محراب القدوة والجود)
ثانياً: في المسجد (رواق الفاعلية الاجتماعية)
ثالثاً: في المدرسة (تكامل المنهج والميدان)
ومع ذلك، تواجهنا تحديات جمة في هذه التربية؛ فالطفل بطبعه يميل إلى "المحسوس". حين نطلب منه مشاركة أقرانه في قطعة حلوى لذيذة مقابل "أجر غيبي"، قد يجد صعوبة في التنازل عن اللذة الآنية. هنا تبرز مهارة المربي في تحويل "الأجر" إلى مفهوم عاطفي ملموس: "عندما تعطي، الله يفرح بك، وأنا أفتخر بك". علينا أيضاً مواجهة تحدي "وسائل التواصل الاجتماعي" التي قد تكرس "الرياء" أو "حب الظهور"، بتعليم الطفل لذة "صدقة السر" التي لا تعلم شماله ما تنفق يمينه، مع استثمار الجوانب الإيجابية في تلك الوسائل لنشر قصص ملهمة تحفز أقرانه دون المساس بكرامة المحتاج.
تجارب عالمية ملهمة
خاتمة: البوصلة والأمانة
إننا نبني مجتمعاً تسوده روح "الجسد الواحد"؛ إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى. فليكن شعارنا في بيوتنا ومدارسنا ومساجدنا: "أنفقْ يُنفقِ الله عليك"، ولنزرع في أطفالنا أن اليد العليا هي اليد التي تبلسم الجراح، وتصعد بالبشرية نحو ذرى الفضيلة، ليكونوا كالغيث حيثما وقع نفع. ذلك الطفل الذي سلمني حصالته قبل ربع قرن، هو اليوم -يقيناً- رجل يبني أمة، لأن من تعلم الإيثار وهو صغير، لن يعرف الشح وهو كبير.