نبض الجود: كيف نغرس في قلوب أطفالنا ثقافة العطاء؟

كتبها أبو بلج عبدالله العيسري

مؤسس مدرسة القارئ العبقري

جدول المحتويات

محور العبادة · ثقافة العطاء

نبض الجود: كيف نغرس في قلوب أطفالنا ثقافة العطاء؟

قصة حصالة صغيرة صنعت معنى كبيرًا في قلب طفل

حصالة فخارية إنفاق إيثار بيت · مسجد · مدرسة أنفق يُنفق الله عليك

منذ أكثر من ربع قرن، وفي رحاب أحد الجوامع الكبيرة بولاية بوشر العمانية العريقة، وقفت خطيباً أحث الناس على الإنفاق، وأستنهض فيهم الهمم لسد حاجة فئة مستحقة من المسلمين. كانت كلماتي تنساب بحماس استمددته من عظم القضية، لكنني لم أكن أعلم أن أعظم درس في ذلك اليوم لن يلقيه الخطيب من فوق المنبر، بل سيلقيه طفل صغير من فوق عتبة المسجد، ليكون برهاناً حياً على أن التربية هي "الغرس" الذي لا يخيب صاحبه.

عقب الصلاة، استوقفني طفل "وافر" الإيمان، توسمت في ملامحه براءة تفيض نبلًا. قال لي بلهفة تسابق أنفاسه: "يا عم، انتظرني حتى أذهب إلى البيت وآتي بحصالتي". توقفت للحظة، فمن الناحية الفقهية "الطفل ليس أهلاً للمعاطاة" بكامل أهليته، لكن والده الذي كان يراقب المشهد من بعيد، أدرك ما يعتمل في نفسي من إعجاب ممزوج بالتردد التربوي، فأقبل وأشار بيده موافقاً، مباركاً هذا النزوع المبكر نحو الفضيلة.

ذهب الولد وركب مع والده، ولم يبرح يوصيني وهو يطل برأسه من نافذة السيارة: "يا عم، أتعدني أنك لن تذهب؟". رددت عليه بابتسامة الواثق: "نعم، أعدك". وما هي إلا دقائق حتى عاد يحمل "حصالة فخارية"، كأنها كنز ثقيل بين يديه الصغيرتين. حين رآني لا أزال في انتظاره، انفرجت أساريره كفلق الصبح، وسلمني إياها بحبور غامر. سألته: "كم فيها؟" قال: "لا أعلم". سألته بفضول المربي: "وهل عندك غيرها؟". صمت قليلاً، ثم قال بصدق يزلزل الوجدان: "لا".

هنا، حبست الدمع بين المحاجر والمآقي؛ فقد تصدق هذا الصغير بكل ما يملك من حطام الدنيا، مستحضراً بفعله ذاك موقف الصديق أبي بكر -رضي الله عنه- في غزوة العسرة حين سأله النبي ﷺ: "ما تركت لأهلك؟" فقال: "تركت لهم الله ورسوله". إن هذا الطفل لم ينبت من فراغ، بل هو ثمرة شجرة طيبة أصلها ثابت في قيم التكافل، وفرعها يلامس سماء الإيثار، وما كان لينشأ هذه النشأة إلا ومن خلفه أسرة تسقي فيه بذور الخير منذ نعومة أظفاره.

إن هذه التربية التي شهدتُ أثرها في بوشر هي امتداد لإرثنا العماني الذي تربينا عليه. في صغرنا، لم يكن أهلنا يكتفون بوعظنا عن الكرم، بل كانوا يجعلوننا "شركاء في العطاء". كان "الإنفاق اليومي" طقساً مقدساً؛ فلا يمر يوم تقريباً إلا ونُكلف نحن الصغار بإيصال "طُعمة" أو "عون" لبيت الخالة فلانة أو العمة فلانة، وللأيتام والمساكين في أطراف الحي. هذا التدريب العملي جعلنا ندرك مبكراً قول الله تعالى:

{لَن تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّىٰ تُنفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ ۚ وَمَا تُنفِقُوا مِن شَيْءٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ} (آل عمران: ٩٢)

كانت المهام تتوزع بين إيصال الطعام اليومي، وبين المشاركة الفعلية في توزيع "زكاة الفطر" ليلة العيد، حيث نشعر بفرحة العطاء تسبق فرحتنا بالثوب الجديد. كما كان لعمليات توزيع "اللحوم" التي يوجه بها الميسورون من أهل القرية أثر بالغ؛ إذ يجمعوننا نحن الصغار قرب المسجد لنحمل الأكياس ونجول بها بين البيوت، فنعود بقلوب ممتلئة بالرضا قبل أن تمتلئ بطون المحتاجين.

ولكي نبعث هذه الروح في جيل اليوم، لا بد من استراتيجية متكاملة تتضافر فيها جهود البيت والمسجد والمدرسة، تراعي تدرج الطفل العمري وتخاطب عقله وقلبه في آن واحد.

أولاً: في البيت (محراب القدوة والجود)

البيت هو المحضن الذي تُصقل فيه الشخصية، والطفل فيه "مرآة" لوالديه. في مرحلة الطفولة المبكرة (٣ – ٦ سنوات)، يكون الإنفاق "بالمحاكاة". هنا نستخدم "حقيبة البركة"؛ حقيبة قماشية يضع فيها الطفل مع والديه قطعة واحدة من الفاكهة أو علبة عصير عند كل تسوق، ثم يسلمها بيده للعامل البسيط، ليربط بين "العطاء" و"ابتسامة الآخر".
أما في مرحلة الطفولة المتوسطة (٧ – ١١ سنة)، فينتقل الطفل إلى "الإنفاق بالشراكة". نعتمد هنا قاعدة "الأثلاث المالية" (ثلث للادخار، ثلث للمصروف، وثلث للصدقة). إن جعل الصدقة "بنداً ثابتاً" في مصروف الطفل يجعله يدرك أن المال وسيلة للبناء الاجتماعي لا للاستهلاك الشخصي فقط. وفي سن المراهقة والشباب، يتحول الأمر إلى "الإنفاق بالمسؤولية"، حيث نفوض الشاب بالبحث عن الحالات المستحقة أو الجهات الموثوقة، لينمي لديه روح القيادة والتحري.

ثانياً: في المسجد (رواق الفاعلية الاجتماعية)

المسجد ليس مكاناً للسكون المحض، بل هو قلب المجتمع النابض. يمكن تحفيز الأطفال فيه عبر "ركن الطفل المتصدق"، وتخصيص صناديق جذابة بارتفاع يناسبهم. كما أن تكريم الإمام للأطفال الذين يقترحون مبادرات بسيطة كزيارة مريض في الحي، يربط المسجد في أذهانهم بالعطاء الحي. ولعل فكرة "سوق الخير المسجدي" التي يبيع فيها الأطفال أعمالهم اليدوية ويخصص ريعها لليتامى، تحول مفهوم "التبرع" من فعل سلبي إلى "إنتاج إيجابي".

ثالثاً: في المدرسة (تكامل المنهج والميدان)

يجب أن تخرج المدرسة من حيز "التنظير" إلى "التأثير". ومن الضروري جداً ارتباط المدارس بـ "الفرق التطوعية المعترف بها" في كل مدينة. هذا الارتباط يحقق المصداقية ويمنح الطفل فرصة "المعايشة"؛ فعندما يشارك الطالب في تعبئة "طرود الخير" أو يشهد ترميم منزل أسرة معوزة، يتحول الفقر من كلمة في كتاب إلى "واقع يتطلب منه التدخل". إن وجود "نادي تطوعي" مدرسي دائم يجعل العطاء جزءاً من الجدول اليومي، ويقلل من "الأنانية" الطفولية لصالح روح "الفريق".

ومع ذلك، تواجهنا تحديات جمة في هذه التربية؛ فالطفل بطبعه يميل إلى "المحسوس". حين نطلب منه مشاركة أقرانه في قطعة حلوى لذيذة مقابل "أجر غيبي"، قد يجد صعوبة في التنازل عن اللذة الآنية. هنا تبرز مهارة المربي في تحويل "الأجر" إلى مفهوم عاطفي ملموس: "عندما تعطي، الله يفرح بك، وأنا أفتخر بك". علينا أيضاً مواجهة تحدي "وسائل التواصل الاجتماعي" التي قد تكرس "الرياء" أو "حب الظهور"، بتعليم الطفل لذة "صدقة السر" التي لا تعلم شماله ما تنفق يمينه، مع استثمار الجوانب الإيجابية في تلك الوسائل لنشر قصص ملهمة تحفز أقرانه دون المساس بكرامة المحتاج.

تجارب عالمية ملهمة

لقد نجحت العديد من التجارب العالمية والإسلامية في هذا الصدد. ففي ماليزيا، تطبق مدارس "نظام الغداء الفائض"، حيث يضع الطلاب جزءاً من مصروفهم أو طعامهم في صناديق توزع نهاية اليوم على العمال (المصدر: تقارير التربية القيمية بوزارة التعليم الماليزية). وفي قطر، أطلقت مؤسسة "قطر الخيرية" مبادرة "لكم الأجر" عبر توزيع حصالات تجمع فيها "فائض المصروف" لبناء آبار مياه في دول فقيرة، مما يربط الطفل بقضايا أمته. كما تعتمد المدارس في كندا منهجية "الجرار الثلاثة" (Spend, Save, Give) لغرس الثقافة المالية المتوازنة منذ الصغر.

خاتمة: البوصلة والأمانة

إن هذا الموقف الذي يثلج الصدر، والذي حدث لي في بوشر، هو البوصلة التي يجب أن توجهنا. إن الإنفاق ليس مجرد خروج مال، بل هو "زكاة للنفس" وتزكية للخلق. يقول النبي ﷺ: "ما نقص مال من صدقة" (رواه مسلم). وحين نربي أطفالنا على الجود، نحن لا نُطعم جائعاً فحسب، بل نُحصن جيلنا من "مرض الشح" الذي قال فيه النبي ﷺ: "واتقوا الشحَّ، فإنَّ الشحَّ أهلكَ مَن كان قبلكم" (رواه مسلم).

إننا نبني مجتمعاً تسوده روح "الجسد الواحد"؛ إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى. فليكن شعارنا في بيوتنا ومدارسنا ومساجدنا: "أنفقْ يُنفقِ الله عليك"، ولنزرع في أطفالنا أن اليد العليا هي اليد التي تبلسم الجراح، وتصعد بالبشرية نحو ذرى الفضيلة، ليكونوا كالغيث حيثما وقع نفع. ذلك الطفل الذي سلمني حصالته قبل ربع قرن، هو اليوم -يقيناً- رجل يبني أمة، لأن من تعلم الإيثار وهو صغير، لن يعرف الشح وهو كبير.

مقالات ذات صلة: