ريالات «الأستاذة روحية» وعقلية الاستثمار
كيف نغرس بذور الثراء في نفوس الناشئة؟
بقلم: عبد الله بن عامر العيسري (أبو بلج)
الاستهلال: ذاكرة الريالات الأربعة
تختزن الذاكرة مشاهد يظنها الطفل عابرة، لكنها في حقيقتها هي «النقوش الأولى» التي ترسم ملامح مستقبله وتحدد بوصلة مسيره. أذكر جيداً تلك اللحظات التي لامست فيها يداي «أربعة ريالات» للمرة الأولى؛ لم تكن تلك النقود مجرد أوراق نقدية، بل كانت درساً في الانضباط المالي لم أدرك كنهه إلا بعد عقود.
كانت أول مرة أحمل فيها أربعة ريالات، والعجب أنها لم تكن لشراء شيء بعينه. أخذتها الريالات كما نقدتني إياها أمي -حفظها الله- من نقودي التي ذخرتها لي، وأعطيتها الأستاذة روحية عمرو، معلمتنا في الصف الأول. وعندما جئت لأعطيها، كان يجلس على الطاولة معلم آخر، وتقاطر الطلاب واحداً إثر الآخر، وكل واحد منهم يعطي الأستاذة روحية تلك النقود، وهي تعطيها المعلم، ويسجلها، ثم خرج.
في ذلك اليوم، كنت أرى المال يغادر كفي، ولم أكن أفهم حينها أن هذا «الخروج» هو في الحقيقة «غرس» سينبت ثماراً يانعة. إنها الفلسفة التي تغيب عن جيل «الاستهلاك اللحظي» اليوم؛ حيث يظن الطفل أن المال خُلق ليُبذل في التو واللحظة، بينما كانت أمهاتنا يعلمننا «الاستثمار بالقدوة» عبر ذخيرة الأيام.
فلسفة الأرباح: حين تنطق الأرقام بالتربية
مضت الأيام، وتوالت الفصول، وظلت تلك الأربعة ريالات غائبة عن عيني، لكنها كانت تنمو في سجلات «الجمعية التعاونية» المدرسية. حتى جاء اليوم الموعود في نهاية العام الدراسي، حين نوديت الأسماء في طابور مهيب، فإذا بي أستلم نقوداً قيل لي إنها «أرباح».
أرباح ماذا؟ في ذلك اليوم لم أفهم من الأمر شيئاً؛ ولكنني فهمت بقدر يسير من الفهم أن لها علاقة بالنقود التي أعطيتها الأستاذة روحية، وهي بدورها أعطتها لذلك الأستاذ الذي لا أعرف اسمه إلى اليوم. ثم استمر ذلك المشهد في نهاية كل عام؛ نعطى نقوداً يقال لنا بأنها أرباحكم من الجمعية التعاونية (المقصف).
كانت تلك اللحظات هي «المختبر التجريبي» للذكاء المالي؛ ففيها عرفنا أن المال طاقة يمكن «تجميدها» اليوم لتتحول إلى «سيولة» مضاعفة غداً. كنا نرقب ذلك اليوم بشغف يتجاوز القيمة المادية. هذا التقلب هو الذي يبني النفسية المرنة؛ فالطفل الذي يعلم أن الربح ليس قدراً حتمياً، هو الذي سيواجه هزات السوق في شبابه بعقل الخبير لا بصدمة العاجز.
قصة الختام: ريالات «المتنبي» والعودة إلى الجذور
استمرت هذه الرحلة المالية طوال سنوات الدراسة، حتى بلغت محطتها الأخيرة في مدرسة المتنبي الثانوية. وهناك، في آخر أيام الصف الثالث الثانوي، وقع مشهد لا يزال محفوراً في وجداني بمداد الفخر.
وعندما انتقلت إلى مدرسة المتنبي الثانوية، وفي آخر أيام الصف الثالث الثانوي، دعاني الأستاذ حسن الحجري إلى المقصف كما دعا غيري، ولكن في هذه المرة قال لي: هذه أرباحك، وهذه أربعة ريالات. وما قصة الأربعة ريالات؟ إنها رأس المال الذي دفعته قبل 12 عاماً للأستاذة روحية عمرو.
لقد عادت الأربعة ريالات كاملة بعد اثني عشر عاماً من «الدوران» في عصب الاقتصاد المدرسي، محملة بسلسلة طويلة من الأرباح السنوية. كانت هذه القصة هي الشهادة العملية التي نلتها قبل شهادة الثانوية العامة؛ شهادة مفادها أن الاستثمار طويل الأجل هو الذي يصنع الاستقرار.
المقصف المدرسي: من منارة التثمير إلى دكان الاستهلاك
لقد كانت الجمعية التعاونية جزءاً أصيلاً من «الزمن الجميل»؛ زمن البساطة التي تضرب في العمق التربوي. ولكن، ما الذي حل بها في عصرنا الحديث؟
دار الزمن دورته، وفقدت الجمعية التعاونية -المقصف- دورها في التربية والتعليم، وما عادت الجمعية التعاونية إلا دكاناً يشتري منه الطلاب في وقت الفسحة، وأصبحت هذه الجمعية ملكاً لشخص تتعاقد معه الوزارة أو المدرسة، فيستأجر هذا المحل ويبيع فيه ما يوفر للطلاب رغباتهم، أما أكثر من ذلك فما عاد للمقصف أي دور.
إننا اليوم أمام فجوة معرفية كبيرة لا يعرفها كثير من الناس. لقد تحول الطفل من «شريك مساهم» يراقب الأرباح، إلى «مستهلك مستهدف» تغريه الإعلانات بتبديد مصروفه في مأكولات لا تسمن ولا تغني من جوع. إن هذا التحول ليس مادياً فحسب، بل هو جناية تربوية تقتل روح المبادرة المالية في مهدها.
التأصيل الشرعي: أمانة المال في حق الأبناء واليتامى
إن إهمال تنمية أموال الأطفال ليس مجرد تقصير إداري، بل هو تفريط قد يبلغ درجة «الإثم». فالدين الذي ائتمننا على الأرواح، ائتمننا كذلك على الأموال.
تأمل معي هذا التوجيه الرباني العميق؛ فالإصلاح هنا هو السعي في نماء المال. قال السيد رشيد رضا في المنار: «أما معنى كون الإصلاح لهم خيراً، فهو أن القيام عليهم لإصلاح نفوسهم بالتهذيب والتربية، وإصلاح أموالهم بالتثمير والتنمية، هو خير من إهمال شأنهم وتركهم لأنفسهم».
ويؤكد الإمام القرطبي في جامعه: «تواترت الآثار في دفع مال اليتيم مضاربة والتجارة فيه.. دلالة على جواز التصرف في ماله بالبيع والشراء إذا وافق الصلاح». وإذا كان هذا التشديد في حق اليتيم، فكيف بأبنائنا الذين هم «أبناء الصلب»؟ أليسوا أولى بهذه العناية؟
خارطة الطريق: كيف نُعيد التربية المالية إلى بيوتنا؟
إن السؤال الجوهري هو: كيف نعلم الأطفال التثمير والادخار؟ الحل يبدأ من استعادة دور «الجمعية التعاونية» في المدارس وتطويرها رقمياً، ثم في المبادرة الوالدية الواعية عبر ثلاثة نماذج تطبيقية:
النموذج الأول: الذهب.. حارس القيمة عبر العصور
الذهب هو «الملاذ الآمن» الذي لا يخيب ظن مقتنيه. رجل اشترى لبعض أبنائه جرامات من الذهب بتاريخ 11/10/2022 ميلادي، وكان سعر الجرام آنذاك 23.4 ر.ع، وبعد أقل من أربع سنوات جاوز سعر الجرام 65 ريالاً عمانياً.
هنا يتعلم الطفل أن الربح ليس مجرد أرقام، بل هو الحفاظ على القوة الشرائية للمال. والجواب بأن الزكاة هي 2.5%، ولكن الزيادة السنوية المعتادة للذهب هي أكثر من ذلك بكثير.
النموذج الثاني: الشراكة العقارية وعقلية «المستثمر»
العقار هو مدرسة الصبر والتدفق النقدي. رجل وجد فرصة لشراء عقار مؤجر قيمته تناهز 25,000 ريال عماني، فجاء ونظر إلى حسابات أبنائه وشاركهم معه في شراء العقار، بحيث أصبح كل واحد منهم له نسبة مئوية من ملكية العقار.
عندما يسأل الطفل: «كم دخل في حسابي من أرباح؟» فإنه يبدأ بفهم «معنى العائد على الاستثمار» (ROI)، وتجف عنده منابع التبذير الاستهلاكي.
النموذج الثالث: التمويل الجماعي.. استثمار المستقبل
في عصر التقنية، لم يعد المال القليل عائقاً. رجل علم أبناءه ما معنى منصات التمويل الجماعي المتوافقة مع الشريعة الإسلامية، وعلمهم طريقة فتح حسابات تحت إشرافه.
بمبالغ بسيطة تبدأ من عشرة ريالات عمانية، يساهم الأطفال في مشاريع حقيقية محققين عوائد تتراوح بين 7% وتصل أحياناً إلى ما يزيد على 15%. وبما أنها استثمارات قصيرة الأجل، فهي تتناسب مع إيقاع صبر الناشئة وتجعلهم يلمسون ثمار قراراتهم المالية.
ختاماً: «من الأسفل تُبنى البيوت»
إن التربية المالية ركيزة من ركائز «خماسية السكينة» التي نطبقها في مدرسة القارئ العبقري. وكما فصلنا في تدوينة النوم والصحة، فإن «من الأسفل تُبنى البيوت»؛ فالطفل المستقر مالياً وصحياً هو الأقدر على طلب العلم والقيام بأمانة العبادة.
إن ريالات الأستاذة روحية عادت لي في المتنبي لتقول لي: «المستقبل يُبنى بالادخار الذكي». فماذا أنتم فاعلون بأموال أطفالكم الليلة؟