عيادة تعليم القراءة
كشف المستور عن معاناة الصنفين
بقلم: عبدالله بن عامر العيسري (أبو بلج)
أول تلميذ علّمته القراءة جاوز عمره اليوم خمسين عاماً؛ إذ إنني أكبره بخمسة أعوام فقط. كان ذلك في رحاب مدرسة المعلم مسعود بن محمد الطوقي -رحمه الله-، وكان المعلم مسعود من طرقه التي يروي بها ظمأ العقول "طريقة الطالب المعلم"، إذ يعمد إلى بعض الطلاب ليثقفوا أقرانهم بما يعرفونه، فيغرس فيهم الثقة قبل الحرف، والتمكين قبل التلقين.
وخلال هذه المسيرة التي أنعم الله سبحانه وتعالى بها عليّ، فإنني أقول بملء فيّ: إن تعليم الطلاب الذين يتعلمون القراءة كأنما دخلوا إلى عيادة تعليم أسميتها "عيادة تعليم القراءة". وهذه العيادة يدخلها من الأطفال صنفان، وكل واحد منهما يحمل في صدره معاناة قد يجهلها أقرب المقربين إليهم من آباء وأمهات، وفي هذه التدوينة سأكشف عن "ملفات التشخيص" لهذين الصنفين، لنبرأ بفضل الله من داء الجهل بحقيقة احتياجهم.
الصنف الأول: ضحايا "فقر التعلم" ومقصلة المناهج
الصنف الأول هم ضحايا مناهج يصابون بسببها بالضعف القرائي، فيقفون على عتبات الحرف عاجزين، والكلمة في أفواههم غصة. وقد أشرتُ أكثر من مرة إلى تلك الأرقام الصادمة التي تضمنها تقرير البنك الدولي لعام 2019 عن النهوض باللغة العربية، والذي ذكر فيه أن ما يقرب من نصف الطلاب العمانيين يدخلون إلى الصف الخامس وهم مصابون بـ "فقر التعلم" (Learning Poverty)، وهو مصطلح موجع يشمل الضعف القرائي والكتابي، والوهن في العلوم والرياضيات. هؤلاء الأطفال يسيرون في أروقة المدارس بظلال باهتة، لأنهم لم يجدوا "الترياق" المناسب لمستوياتهم منذ البداية.
الصنف الثاني: العباقرة المحاصرون في "سجن التكرار"
أما الصنف الثاني فهم ضحايا المناهج ذاتها، ولكنهم نجوا من الضعف القرائي فوقعوا في فخ الملل! فالطالب عندما يدخل -على سبيل المثال- إلى الصف الأول، قد يكون تجاوز بمراحل مراقي تعلم القراءة الأولى، فهو يعرف كيف ينطق أي كلمة عربية مشكولة، وقد سما بمستواه إلى "القراءة الذكية" و"القراءة الناقدة"، ولكن "مقصلة المناهج" تلزمه بأن يقضي فصلاً دراسياً كاملاً يتعلم فيه كيف يتهجى الحروف الأبجدية!
وبسبب تلك المناهج الجامدة، تضمر رغبته في القراءة، وتتحول مادة "لغتي الجملية" إلى مادة كئيبة تصيبه بالملال والسآمة، وكأننا نعاقبه على نبوغه. إن توحيد التعامل مع الأطفال حسب فئاتهم العمرية، وحشرهم في قوالب صماء وكأنهم على مستوى واحد، هو "أم الكوارث" التي نشهدها في عالم اليوم.
وحتى تكون هذه التدوينة جزءاً من "العلاج التربوي"، سأقدم لكم خطوات مجربة للتعامل مع هذين الصنفين، وهي ثمرة تجربة خضتها مع ألوف مؤلفة من الأطفال، سواء في بيتي أو محيط أهلي، أو في مركز العيسري ومدرسة القارئ العبقري.
أولاً: التعامل مع الصنف الأول (المتهمين بالضعف القرائي)
الخطوة الأولى: المعاينة الأولية — قياس نبض الحرف
نتعامل مع الطفل كما تتعامل معه المستشفيات؛ فالمريض يدخل أولاً إلى "غرفة المعاينة الأولية" لتقيس الممرضة الحرارة والنبض، لتعرف: هل الوضع طارئ أم طبيعي؟ وهذا بالضبط ما ينبغي أن يحصل في المدارس؛ فأول ما يفعله المعلم الحاذق هو إجراء اختبار لتقييم المستوى القرائي، يبدأ من الجزء الأول من منهج القارئ العبقري. يختبر في الحروف، فإن أجادها انتقل للكلمات المفتوحة، ثم المكسورة، وهكذا.. حتى نحدد بدقة "موطن الداء" فنكتب: مستواه "وحدة الحركات" أو "وحدة المدود".
الخطوة الثانية: التشخيص التخصصي — البحث عن الجذور
في المستشفيات، ينتقل الأمر للطبيب ليقرر حاجة المريض لفحوصات إضافية (أشعة أو مختبر). والأمر نفسه يصدق على الطلاب؛ فبعد التقييم الأولي تحدد خبيرة تعليم القراءة: لماذا هذا التأخر؟ ففي كثير من الأحيان لا يكون الطفل مصاباً بالدِيْسْلِكْسِيَا (عسر القراءة)، بل لأن الجرعة التي يتلقاها في مدرسته باهتة، أو لأنه في بيئة لا تنطق بالعربية، أو لأن المنهج الذي يُدرّس به هو الذي "أعاق" تقدمه.
الخطوة الثالثة: صياغة الخطة العلاجية
كما يقرر الطبيب صرف مرهم أو عقاقير أو حتى "التنويم" لتكثيف العلاج، كذلك الحال مع الأطفال. إذا ظهر أن السبب هو المنهج، يكفيه اقتناء منهج القارئ العبقري لتدرسه أمه في سكينة البيت. أما إذا كانت ظروف الوالدين لا تسمح بمتابعة دقيقة، فلا محيص من إلحاقه بمدرسة تتبنى منهجاً سليماً، ومعلمات قادرات على إعطائه حقه الكامل، لئلا يضيع عمره بين صفحات لا يفهمها.
الخطوة الرابعة: مسؤولية الأسرة — الدواء في المنزل
الطبيب يصرف الدواء، لكن متابعة العلاج في المنزل هي مهمة الوالدين وليست مهمة الطبيب. هذه حقيقة يجب أن تُحفر في الأذهان، وقد أكدتُ عليها في كتابي "15 حقيقة لعلاج الضعف القرائي" تحت عنوان: "الأسرة هي المفتاح". فلا تنتظر من المدرسة أن تصنع المعجزات إذا كان البيت غائباً عن المتابعة.
الخطوة الخامسة: الرقابة والمتابعة الدورية
الطبيب الحاذق يمر على المنومين يومياً، ويحدد مواعيد مراجعة لمن عادوا لبيوتهم. وهذا ما يجب أن يكون في مدارسنا؛ فالطفل الملتحق بالمدرسة يحتاج لمتابعة مستمرة ودائمة، أما من يدرس في المنزل، فيحتاج لمراجعات دورية لنتأكد أن "سفينة القراءة" تسير في الاتجاه الصحيح.
ثانياً: التعامل مع الصنف الثاني (الذين تجاوزوا المقرر المدرسي)
يختلف التعامل مع هذا الصنف بدءاً من نوعية "العلاج"؛ فكما أن الدواء الذي ينفع زيداً قد يكون سماً ناقعاً لعمرو، فإن إجبار الطفل المتقن على تكرار الحروف هو "قتل للذكاء". المدارس الحاذقة تنقل هذا الطفل فوراً إلى "مرحلة القراءة الذكية والناقدة"، وهي ما نسميها في مدرستنا:
مرحلة فصيح بن عوف — أفق العبقرية
هذه الفئة تتعامل مع تشكيلة كتب تليق بعقولهم:
وقفة قبل الختام: "أم الحقائق"
نعود لمثال المستشفى؛ فالمستشفيات تبذل الأسباب وتطبق الإجراءات، ولكننا نوقن أن الشافي هو الله سبحانه وتعالى. وهكذا هو الحال في رحلتنا التربوية؛ علينا أن ندرك "أم الحقائق" التي سطرتها في كتابي: وهي أن الله سبحانه وتعالى هو الذي يدبر الأمر، وهو الذي يقسم المواهب والأرزاق، وما نحن إلا "سُعاة" في مناكب الأرض، والله سبحانه وتعالى يكتب لنا أجر السعي مع أطفالنا، ويقر أعيننا بنباتهم الحسن.
بيانات التدوينة (SEO)
عبدالله بن عامر العيسري (أبو بلج)