التدوينة (7) — من محور العلم والعمل
لماذا تنهار البيوت المُضاءة؟ قصة قيس وجابر.. وفلسفة التعليم المفقودة
بقلم: عبدالله بن عامر العيسري (أبو بلج)
مقدمة: لغة الأرقام التي تنذر بالخطر
في سلطنة عمان، وصلت نسب الطلاق في إحدى السنوات الأخيرة إلى مستويات تدق ناقوس الخطر؛ إذ أشارت بعض الإحصاءات إلى أن النسبة بلغت حوالي 27%، أي أن من بين كل 100 حالة زواج، تنتهي 27 منها بالانفصال المبكر. وفي بعض دول الخليج العربي، قفزت النسبة إلى ما يقارب 60% وفقًا لتقارير إحصائية تناولت معدلات الطلاق في دول مجلس التعاون الخليجي.
في هذه التدوينة، لن أتوسع في سرد الإحصاءات التي تتناول تبعات هذا التصدع، كجنوح الأحداث، أو تعاطي الممنوعات، وغيرها من المشكلات التي تنخر في عظام مجتمعاتنا، ولن أتحدث عن الأسباب السطحية المتداولة. بل سأنتقل مباشرة إلى مقابلة بين شخصين، كلاهما همّ بأن يُطلّق زوجته؛ لأبين السبب الأساس والعميق الذي دفع كل واحد منهما إلى اتخاذ قراره بتلك الطريقة. وبعد ذلك، سألج إلى صلب الرؤية التربوية التي نتبناها.
الحالة الأولى: قيس وليلى.. البناء على الهشاشة
(مع الاعتذار لكل من يحمل هذين الاسمين، فلستما بمقصودين في هذه التدوينة)
التعارف والتسويق الزائف
تعرّف قيس على زميلته ليلى في بيئة العمل. وفي زمنٍ اختلطت فيه المفاهيم، كان كل منهما يمارس ما أسميه في جلساتي الاستشارية بـ “التسويق السطحي”؛ يظهران أفضل ما لديهما من قشور، متناسيين أن الزواج ليس “تسويقًا” لابتساماتٍ عابرة، بل هو “مبيعات” حقيقية وعقود غليظة تتطلب وفاءً يوميًا. التسويق يجذب الانتباه، لكن حقيقة “البيع” واستدامة العلاقة تتطلب إدارة غير مباشرة للأزمات، وسردية ناضجة لبناء الأسرة، وهو ما افتقراه تمامًا.
الزواج وحمّى المظاهر
بعد تفاهمات معتادة، تقدم لخطبتها. ومرت الأيام من الخطبة إلى الزواج مُثقلة بكثير من المناسبات التي يعرفها الجميع، والتي تُهدر فيها الأوقات وتُستنزف فيها الأموال؛ من مناسبة تسليم المهر، إلى ليلة الحناء، وليلة العرس، ومناسبة التصبيحة، وغيرها من الشكليات التي تستنزف طاقة الشباب.
هبوب العاصفة والانهيار السريع
مضى شهر العسل على ما يرام، وما هي إلا أشهر يسيرة حتى بدأت الخلافات تدب بينهما. ذات يوم، رجع قيس من العمل منهكًا، وكانت زوجته ليلى قد انتقلت إلى قسم آخر في العمل ووصلت إلى المنزل قبله. فلما دخل، وجد أن الغداء لم يُجهّز بحجة أن “العاملة اليوم مريضة”.
في هذا الموقف، غابت عن ليلى أبجديات “الأعمال الشخصية السيادية” التي ينبغي أن تقوم بها المرأة لبيتها، كما غاب عن قيس فهم “المبادئ الثلاثة لمقاومة المهام” التي نطبقها حتى مع الأطفال في تقسيم العمل المنزلي. وعوضًا عن تدارك الموقف، فاجأته ليلى بإلحاح شديد بأنها تريد منه شراء “دمية بوبو” لتُطقم مع زميلاتها في صيحات الاستهلاك المظهري!
لم يستغرق الأمر من قيس سوى بضع دقائق ليقول لها: “أنتِ طالق”. ولم يستغرق منها الأمر سوى بضع دقائق لتتصل بأخيها، الذي جاء مسرعًا ليحملها مع أغراضها وتعود إلى بيت أبيها. انتهت تلك القصة بطريقة مأساوية، هي في دلالتها أشد مرارة من قصة قيس وليلى التي نقرأها في كتب الأدب، لأنها تمثل انهيارًا لبيتٍ لم يُبنَ على أسسٍ متينة.
الحالة الثانية: جابر وآمنة.. الجذور العميقة
رؤية جابر.. “تلقين الصبيان” وبناء العقل
رؤية جابر عن الزواج، وما يتبعه من مسؤوليات، ذات نشأة مبكرة. ففي صغره، درس كتاب “تلقين الصبيان ما يلزم الإنسان” للإمام العلامة نور الدين السالمي -رضي الله تعالى عنه-. كان أول ما مر به في التلقين بعد المقدمة هو “ما يُؤمر به ولي الصبي”. تلك المقدمة كانت كفيلة بأن تصنع منه أبًا مستقبليًا واعيًا بمسؤولياته.
كما أثّر فيه منهج التلقين في اختياره المستقبلي؛ فعندما تحدث الإمام السالمي عن حقوق الأولاد، قال: “ومن حقه أيضًا أن يختار له أخواله”. واختيار الأخوال يعني ألا يقتصر الرجل على اختيار الزوجة لشخصها فقط، بل يختار أن تكون الأم من بيئة صالحة ومعدنٍ أصيل.
آمنة.. الشريكة الواعية
لم تكن زوجته آمنة أقل حظًا منه؛ فقد درست هي كذلك “تلقين الصبيان”، وتشرّبت ذات المعاني. كانت تعرف تمامًا طريقة تفكير زوجها، وتُدرك السر العميق وراء اختياره لها.
هبوب العاصفة.. والمنهجية القرآنية في الحل
مع كل هذه الصفات الإيمانية، لا نغفل أن جابرًا وآمنة بشر، يعتريهما النقص والخطأ كما يعتري غيرهما. وفي يوم من الأيام، رجع جابر إلى البيت ولاحظ أن عناية زوجته به لم تعد كما كانت. حاول أن يُلمّح في المرات الأولى، لكن التلميح لم يُغير من الواقع شيئًا.
تطور الأمر، وأصبحت آمنة تخرج في بعض الأحيان دون أن تستأذن. يعود جابر إلى البيت ولا يجدها. هنا، لم ينفجر جابر أو يتخذ قرارًا طائشًا كقيس، بل رجع إلى ما تعلمه من قول الله سبحانه وتعالى:
فكَثُر حديثها وشكواها وعتابها في ذلك المجلس.
قصة طلاق جابر وآمنة.. الطلاق السني
بعد ليالي الصبر الطويلة، رأى جابر أنه لا بد من اللجوء إلى الخيار الصعب. فما دام “الإمساك بمعروف” لم يُجدِ نفعًا، فإن عليه اللجوء إلى خيار “التسريح بإحسان”. لكنه، ولأنه تربى على الفقه، تذكر أن الطلاق يكون بدعةً محرمة إذا أوقعه في طُهرٍ قد وطئها فيه. لذا، كظم غيظه، وانتظر حتى حاضت، ثم انتظر حتى طهرت، ثم طلقها في ذلك الطُهر الذي لم يطأها فيه طلقةً واحدةً رجعية.
ماذا حدث بعد الطلاق؟
الذي حدث بعد هذا الطلاق يُمثل قمة التحضر الإسلامي، وتلخّص في أمرين:
وَتَكحَلَن عَينَها النَّجلاءَ … وَتَدهُنَن وَجهَها الوَضّاءَ
لَعَلَّ مَن طَلَّقَها يَعودُ … لِضَمِّها وَتَذهَبَ العُقودُ
رجع جابر إلى غرفته، فإذا به يجد مطلقته آمنة على ذلك الحال البهي. طلبت منه أن يجلس، وأخبرته بشجاعة وصدق أنها راجعت نفسها، وأنها تستغفر الله وتتوب إليه، ووعدته بأن تعود إلى أفضل حال إن هو راجعها. فما كان منه -وقد هدأ غضبه ورأى منها هذا التودد- إلا أن راجعها. وعادت المياه إلى مجاريها في مدة لا تتجاوز الساعتين من وقوع الطلاق!
الفارق الجوهري: لماذا نعلّم أبناءنا الشريعة؟
الذي حدث في حالة قيس وليلى، أنهما دخلا إلى عش الزوجية وهما ما يزالان في حكم “الطفل الرضيع” فيما يتصل بفهم أعباء الحياة ومقاصد الزواج. وكما بيّنت في التدوينة السابقة أن الطفل إذا اضطرب إيقاع نومه فقد الركيزة الأولى لصحته وعقله، فكذلك الشاب الذي يفتقد الأساس المعرفي الشرعي، يضطرب إيقاع حياته الزوجية عند أول أزمة، ولا يعرف كيف يتصرف بطريقة مطابقة لمراد الله سبحانه وتعالى.
أما في حالة جابر وآمنة، فكل واحد منهما تلقى في صغره جرعة وافية من علوم الشريعة الإسلامية والفقه. إن تعلم علوم الشريعة لن يغير من واقع كون الإنسان بشرًا يخطئ ويغضب؛ لكن تعلمها يُقلّص كثيرًا من وقوع الأخطاء والمشكلات. وإن وقعت الأزمة، فإن الفقه يعلّم الإنسان كيف يحلها، وكيف يُقلل من آثارها التدميرية، لا أن يتمادى فيها حتى تصبح حياته جحيمًا لا يُطاق.
خماسية العلم وفلسفة التدريس في مدارسنا
من هنا، ومن واقع هذه المقارنات المجتمعية المؤلمة، جاء تركيزنا في مدرسة القارئ العبقري على إرساء المبادئ الصحيحة. فإذا كانت “خماسية السكينة المدرسية” تُبنى على (العبادة، العلم، العمل، اللعب، الصحة والنوم)، فإننا نولي محور “العلم” والعلوم الكونية اهتمامًا يقسمها إلى شقين أساسيين:
1. علوم الشريعة واللغة (تقريب التراث للأطفال)
وهي كل ما يؤدي إلى أن يعرف المسلم ربه وأحكامه، وعلوم الأدوات كالنحو والبلاغة وأصول الفقه. ومن هنا انطلق مشروعنا الرائد لتقريب التراث للأطفال؛ فقد توخينا أن يتعامل الطفل -حسب مرحلته العمرية- مع كتب التراث الأصيلة مباشرة. وما لم تُغطه تلك الكتب بطريقة تناسب إدراكهم، قمنا بإعادة إنتاجه. فأصدرنا منهج “أصول الفقه للأطفال”، ونعمل على تقريب بقية الأبواب كـ “فقه الأسرة” و”فقه المعاملات”؛ لينشأ جيل كجابر وآمنة، يفهم مآلات العقود وحقوق الأطراف. وكما نقوم بتأصيل قيمة العمل المهني مبكرًا لكسر حاجز العجز، يجب تأصيل فقه الحياة الزوجية.
2. العلوم الأخرى (التقنية والهندسة والرياضيات)
في الجانب المعاصر، نركز بقوة على منهجية (STEAM) التي تشمل العلوم، التقنية، الهندسة، الفنون، والرياضيات. ولنا في هذا المجال تجارب عميقة؛ فقد بدأنا تدريس “الذكاء التوبولوجي” لأطفال الروضة منذ 15 عامًا. واليوم، ومن خلال شراكاتنا مع مؤسسات تقنية مثل شركة (رِدْء – Red’e) المتخصصة في الذكاء الاصطناعي وأتمتة العمليات، نسعى لربط هذه العلوم الحديثة بأساس قيمي متين، ليصبح أبناؤنا قادة في الابتكار التقني دون أن يفقدوا بوصلتهم الأخلاقية.
خاتمة: المدارس.. ومهمة الإعداد للحياة الحقيقية
على جميع المؤسسات التعليمية أن تُراجع فلسفتها في التعليم بشكل جذري. إذا كان هدفنا حقًا وصدقًا أن نُعدّ هؤلاء الأطفال للحياة، فإن “الحياة” بمعناها الواسع تشمل الدنيا والآخرة، بل إن إعداد الطفل للآخرة أهم وأبقى؛
المدرسة التي لا يتعلم فيها الطفل كيف يتعامل -بعد أن يكبر- مع زوجه وأولاده ومجتمعه، وكيف يؤدي الحقوق التي أوجبها الله عليه، هي مدرسة لا تؤدي بالإنسان إلا إلى مزيد من الشقاء. ومن كان في شكٍ من ذلك، فلينظر إلى الأمم التي اقتصرت على دراسة العلوم النظرية البحتة، ووصلت إلى أعلى مراتب الابتكارات التقنية؛ هل وصل فيها الإنسان إلى أن يذوق طعم الراحة والسكينة؟ أم أن حيواتهم أصبحت سلسلة متعاقبة من الكد والتعب والنكد، يعيشون واقعًا ينطبق عليه في الدنيا قوله تعالى:
هذه التدوينة جزء من سلسلة «25 قيمة لا تُعلِّمها الكتب المدرسية لأبنائك»
ندعوكم لقراءة التدوينة الأم الشاملة في موقعنا للتعمق أكثر في هذه الفلسفة التربوية.
بقلم: عبدالله بن عامر العيسري (أبو بلج)
المؤسس — مدرسة القارئ العبقري