مسطاح العقيب

كتبها أبو بلج عبدالله العيسري

مؤسس مدرسة القارئ العبقري

جدول المحتويات

محور اللعب · اللعب التمثيلي

مسطاح العقيب

حين صار الفقه مسرحًا، وصارت الرمسة مدرسةً تحت القناديل

مسطاحرمسةقناديلتمثيلخماسية السكينة

مسطاح العقيب.. هذا العنوان الذي رأيتموه صحيح لا خطأ فيه البتة، فالمسطاح في لغة أهل عُمان هو ذلك الفضاء الرحب الذي تشرق فيه حبات الفاكهة تحت عين الشمس كأنها سبائك ذهبية لتتحول إلى كنوزٍ مجنزة، وهو الميدان الذي تجفف فيه الثمار وخاصة التمر، وأجيالنا تعرف المسطاح حق المعرفة، فلا يكاد بيت عُماني من أهل النخل إلا وفيه مسطاح تسكنه ذكريات القيظ وعرق الكدح الجميل، حيث يغدو الحصاد قصيدة تُكتب على أديم الأرض. أما "العقيب" فهي تلك الضاحية الغناء التي ورثناها كابراً عن كابر عن جدنا محمد بن سعيد العيسري رحمه الله تعالى، فصارت لنا وطناً صغيراً في قلب الوطن الكبير، وبستاناً تلتف حوله أغصان المودة.

وقد اخترت هذا العنوان لهذه التدوينة خصوصاً لأن مسطاح العقيب شهد حالة نادرة من الإبداع التربوي والبياني، حالة تنهال على قلبي قبل عقلي ذكرياتها المضيئة كلما مررت به، وكأني أسمع صدى الخطوات تتردد بين جنباته كأنها ترانيم قديمة. كان شيخنا ابن غابش، رحمه الله تعالى، كالبحر الخضم في علمه، يدرس تلاميذه الفقه الإسلامي، ودراسة الفقه عادة تبدأ من عتبات الطهارات التي تنقي الظاهر والباطن، ثم الوضوء وصولاً إلى رحاب الصلاة وما بعدها، وكانت العادة في المساجد أن يجلس الشيخ كالجبل الراسخ في وقاره، يعمد إلى كتاب بعينه، والطلاب من حوله كالنحل الذي يحوم حول الشهد، يقرؤون المتن والشرح، ثم يبين لهم شيخهم ما قد يغمض عليهم من غوامض المسائل بلسان فصيح يفك طلاسم العبارات.

تلك الطريقة كانت كفيلة بتعليم الطلاب وقر المسائل في صدورهم لترسخ كالجذور، ولكنها لم تكن كفيلة بإمتاعهم أو تحريك سواكن خيالهم بما يكسر جمود المتون، وهذا هو الجانب الذي غفل عنه كثير من المعلمين ويسره الله سبحانه وتعالى لشيخنا ابن غابش، إذ كان آية في التنبه إلى الدقائق النفسية، وبصيراً بالمنعطفات الوجدانية التي تعتمل في نفوس تلاميذه كأنها مرآة صافية.

اشتعلت في ذهن شيخنا ابن غابش فكرة كالسراج في ليلة ظلماء، فحمل نورها إلى جدي سيف بن محمد بن سعيد العيسري رحمه الله تعالى، وقال له بلهجة الواثق التي لا يساورها شك: "الأولاد جاهزون". فهم جدي سيف مقصده اللطيف بذكاء الفؤاد؛ لأن هذه الجملة جاءت على إثر مفاهمة سابقة وطبخة فكرية نضجت على نار هادئة بينهما.

وعندما دخل الجد إلى المسجد، نادى في جماعة المصلين بصوت يملؤه الود ويهز القلوب شوقاً: "أدعوكم الليلة لرمسة في مسطاح العقيب". كانت الرمسة عادة تقام في المساجد بين العشاءين واحةً للعلم يستظل بها العابرون، يحضرها عدد محدود من الشيخ وتلاميذه يقرؤون كتاباً معيناً، أما الرمسات العامة فإنها تكون كالعيد الذي تلبس فيه الأرض حلاها في المناسبات، خاصة ليلة المولد النبوي الشريف، حيث يقام المولد في السبلة أو في المسطاح تحت قبة السماء المرصعة بالنجوم.

تساءل الناس في أنفسهم ولم يبدوا ذلك حياءً ووقاراً: ما لسيف بن محمد يدعو لرمسة في هذا التوقيت؟ وما المناسبة؟ إذ لم يوافق هذا اليوم مناسبة من المناسبات التي اعتادوا عليها، فسكتوا والدهشة تعلو وجوههم كغيمة صيف عابرة حتى يتجلى لهم الخبر اليقين.

وعندما وصلوا إلى مسطاح العقيب، وجدوا مشهداً يسلب الألباب ويشرح الصدور؛ الأرض قد غُسلت بالماء حتى صارت كالمرآة تعكس وجوه الحاضرين، والحُصر قد بُسطت كبساط ريح ينتظر الركاب ليحلق بهم في آفاق المعرفة، والرواجل التي تعلق فيها جحال الماء قد ثُبِّتت أركانها كعماد إرم، وأما القناديل فقد أُوقدت لتمزق ثوب الظلام الدامس بضياء الأمل.

وما هي إلا لحظات سكن فيها الضجيج حتى برز طالبان صغيران، وتوسطا ذلك الجمع الغفير كأنهما بطلان في وادي قديد. قال أحدهما للآخر بلكنة الغاضب وبوجه يتفجر باللوم والعتاب: "ما الذي أخرك عن صلاة الجماعة؟" فرد عليه زميله وهو يستلطفه بإشارات من يده كأنها نسيم هادئ يهدئ روع العاصفة: "مهلاً يا أخي"، فقال الأول بحدة الصارم: "هات عذراً واضحاً"، فرد الثاني بصوت منكسر: "خرجت من البيت متوضئاً، وفي الطريق طعنتني شوكة فخرج مني دم، والدم كما تعلم نجاسة فينتقض بها الوضوء".

وهنا بدأ التعليم الخفي، فسأله الأول مستنكراً: "وما النجاسة؟" فانبرى الثاني يعدد له تعريفاتها وأقسامها بأسلوب تمثيلي باهر يجسد العلم واقعاً ملموساً، فخرج الناس من ذلك المشهد وقد شربوا درساً كاملاً عن الطهارة من نبع صافٍ لم يعتادوه في جفاف الكتب وصمت الزوايا.

ثم تكرر المشهد بطريقة أخرى أذهلت العقول، إذ تقدم طالبان آخران يحملان مشعل الفصاحة؛ ألقى أحدهما بيتاً من "مدارج الكمال" للإمام السالمي رضي الله عنه كأنه يلقي درة يتيمة في بحر العلم، فشرحه زميله بأسلوب ينساب إلى العقول انسياب الماء في الجداول الرقراقة، وهكذا دواليك حتى هضم الحاضرون باباً كاملاً من أبواب الفقه وهم يظنون أنهم في نزهة لا في درس علمي رصين.

وبعد أن أفرغ الطلاب ما في جعبتهم من إبداع علمهم إياه شيخنا ابن غابش، وُزِّعت "الشربات" على المعازيم لتكون مسك الختام، وكانت الشربات في ذلك الزمان لا ينالها الناس إلا في الندرة القصوى.

ومنذ تلك الليلة، أصبحت النفوس تتشوف والأعناق تشرئب كأشجار النخيل الباسقة، والعقول تتساءل في شغف لا ينطفئ: متى يحين ميعاد الرمسة القادمة في مسطاح الإبداع؟ تلك الرمسة التي لم أشهدها أنا ولا جيلي، بل بقيت أسطورة تتداولها الأجيال التي سبقتنا، كجيل أخي الأكبر سالم حفظه الله، الذي كان برعماً مشاركاً في ذلك الزمان الذي لم تعرف فيه عمان المدارس النظامية بعد، لكنها عرفت عبقرية الفطرة وسلطان البيان.

مسطاح العقيب: مدرسة الحياة ومسرح الفطرة

إن الألعاب التمثيلية في جوهرها ليست مجرد لهوٍ عابر، بل هي الرحم الذي تتخلق فيه شخصية الطفل، ولو خُيّر الصغير بين مائدة الطعام وبين ساحة اللعب لاختار الثانية دون تردد؛ ذلك أن اللعب للطفل هو الهواء الذي تتنفسه الروح، والمدار الذي تلتقي فيه العناصر الأربعة المكونة لكيان الإنسان: جسدٌ ينمو بالحركة، وعقلٌ يتقد بالتفكير، وقلبٌ ينبض بالمشاعر، ونفسٌ تسمو بالتقمص والمحاكاة. والتمثيل في أبسط صور بيانه هو "تقمص الأدوار"، وهو فنٌّ يسري في مفاصل "خماسية السكينة" سريان الماء في العود الأخضر، ليحيل القيم الجافة إلى تجارب حية نابضة بالجمال والوضوح.

أولاً: في قيمة العبادة — تجليات الطهر في مسرح الصغار

يتحول المسطاح أو ركن المسجد في هذا السياق إلى محراب تعليمي حي، حيث تخرج المسائل الفقهية من بطون الكتب لتسعى بين الناس في صورة مشاهد بصرية لا تُنسى:

١. إمامة الصبيان

يرتدي أحد الطلاب رداء الإمامة ويتقمص بقية الرفاق أدوار المصلين، ليقفوا كالبنيان المرصوص خلف إمامهم. وقد كان المعلم مسعود رحمه الله يسقينا فقه الصلاة من هذا المعين، فكنا نعيش المسائل وجدانياً ولا نحفظها آلياً، مما يغرس في نفس الطفل هيبة الوقوف بين يدي الخالق في جو من الألفة والمحاكاة.

٢. تمثيل نواقض الصلاة وأخطائها

كان بعض المعلمين المبدعين يعمدون إلى تقمص أدوار تمثل الحالات الاستثنائية في الصلاة؛ فذاك طالب يمثل دور "المسبوق" الذي يهرع ليدرك الركعة، وطالب آخر يمثل دور العابث الذي يلتفت يمنة ويسرة ويحرك يديه لاهياً، وثالث يقف منفرداً خلف الصف كطائر غرد خارج سربه. ومن خلال هذه اللوحات التمثيلية ينبري المعلم ليشرح الحكم الفقهي، فتترسخ المعلومة في الأذهان كما يترسخ الوشم في الساعد، وتصبح المسألة فقهاً حياً يمارسه الطفل بوعيٍ كامل.

ثانياً: في قيمة العلم — عندما يتبادل الأستاذ والتلميذ المواقع

هنا تنكسر هيبة الكرسي التقليدي، وتتحول العملية التعليمية إلى شراكة إبداعية تتجاوز حدود التلقين:

١. المعلم الصغير والتقمص الكامل

ما ننشده في مسرحة المعرفة هو أن يخلع الطالب ثوب التلميذ ليرتدي عباءة المعلم بكامل تفاصيلها. فلا يقتصر الأمر على وقفة عابرة لثوانٍ، بل ينبغي أن يؤدي الطالب كل الأدوار المسندة للمعلم، من إدارة الحوار وشرح المعضلات. والأجمل من ذلك أن يجلس المعلم الحقيقي في مقعد التلميذ، ليذوق طعم الإنصات ويشعر الطالب بمسؤولية المنبر، مما يزرع الثقة في سويداء قلبه ويصقل مهارات الإلقاء لديه.

٢. أدوار المعلم المستقبلية — الكوتشينج والريادة

إن أدوار المعلم في الغد لم تعد تقتصر على شحن العقول، بل تحورت إلى أدوار الميسر والكوتش والراعي. فالمعلم المستقبلي هو الذي يمهد الطريق لطلابه ليكتشفوا بأنفسهم كنوز المعرفة، تماماً كما يفعل الكوتش الذي يستخرج اللآلئ من أصدافها بالأسئلة الملهمة. ويمكن الاطلاع على تفصيل هذه الأدوار المستقبلية عبر تقارير المنظمات الدولية مثل اليونسكو في رؤيتها لمستقبل التعليم.

ثالثاً: في قيمة العمل — محاكاة المهن من النخلة إلى الذكاء الاصطناعي

تمتد جسور الألعاب التمثيلية لتعبر بنا إلى ميادين الكدح، حيث يقتفي الأطفال أثر الكبار في بناء الأوطان:

١. محاكاة المهن التقليدية

يبدأ الطفل بتقمص أدوار الكبار في المهن الراسخة كالمعلم والطبيب والمهندس، وهي نماذج تمنح الطفل بوصلة أخلاقية لمفهوم الخدمة العامة والإتقان.

٢. اقتحام عوالم المستقبل والتقنية

إن سماء العمل اليوم لم تعد تقتصر على الصور النمطية، بل انفتحت على عوالم مدهشة؛ فترى الطفل يتقمص دور مهندس الذكاء الاصطناعي الذي يبني خوارزميات تخدم البشرية، أو خبير الأمن السيبراني الذي يحمي ثغور الوطن الرقمية، أو محلل البيانات الذي يستنطق الأرقام. إن تمثيل هذه الأدوار الحديثة يكسر حاجز الرهبة من التكنولوجيا، ويجعل الطفل يشعر بأن المستقبل طين ناعم يشكله ببنانه، فينمو وفي روعه أن العمل رسالة إعمار تتجدد بتجدد الزمان والوسائل.

رابعاً: في قيمة اللعب — المختبر الاجتماعي للأرواح

تعتبر الألعاب التمثيلية في هذا السياق المختبرَ الذي يتدرب فيه الطفل على ممارسة الحياة الاجتماعية بكل تعقيداتها:

١. التعلم عبر التجربة

اللعب التمثيلي هو الفضاء الذي يجرب فيه الطفل مشاعر القيادة والتبعية، والتفاوض وحل النزاعات، مما يصقل ذكاءه الوجداني. وتجارب لعب الأدوار أثبتت نجاعتها عالمياً في صقل الشخصية، وهناك مدن كاملة قامت على هذا المبدأ مثل تجربة "كيدزانيا" التي تتيح للأطفال تمثيل أدوار الحياة في بيئة واقعية.

خامساً: في قيمة الصحة والنوم — سكينة الجسد وهدوء الروح

حتى في أكثر لحظات الحياة هدوءاً، يظل للتمثيل دور في غرس السلوكيات القويمة:

١. تمثيل أدوار الرعاية الصحية

يتقمص الطفل دور الطبيب الذي يداوي بلمسة حانية، أو المريض الذي يتصبر على الدواء، مما يغرس في نفسه احترام الجسد كأمانة غالية والوعي بأهمية الوقاية؛ مع ضرورة التنبه إلى أن الأطفال لا يُسمح لهم بتقمص الأدوار بعيداً عن الكبار، ولا بلمس أي عضو غير ظاهر من أجساد غيرهم.

٢. محاكاة طقوس النوم والسكينة

يمكن للأطفال تمثيل قصة النوم المثالية، حيث يؤدون طقوس السكينة من قراءة الأذكار والاسترخاء التام، فيتحول النوم من مجرد فعل غريزي إلى طقس مقدس لإراحة النفس. إن تمثيل دور المستيقظ بنشاط يبرمج العقل الباطن على عادات صحية راسخة.

إن مسطاح العقيب لم يكن يوماً مجرد مساحة لإنضاج التمر، بل كان مسرحاً كبيراً نضجت فيه عقولنا، وتعلمنا فيه أن الحياة ما هي إلا أدوار نتقمصها بإتقان، فمن أجاد التمثيل في صغره بصدق وفطرة، أجاد الأداء في كبره بحكمة ومسؤولية.

٣ خطوات للتنفيذ الفوري: كيف نحول الواقع إلى مسرح إبداعي؟

إن الانتقال من نظرية الألعاب التمثيلية إلى واقع التطبيق لا يحتاج إلى ميزانيات ضخمة، بل إلى عين تبصر الجمال في البسيط، وقلب يؤمن بعفوية الطفولة، وهنا أضع بين أيديكم ثلاث خطوات عملية تجعل من "خماسية السكينة" واقعاً معاشاً:

١. المادة طوع الخيال — الإبداع بالموجود

اعتمدوا على ما هو متوفر من المواد حولكم، فصندوق برتقال فارغ قد يغدو بحس الطفل مسرحاً للعرائس يأسر الألباب، ولا داعي للانتظار الطويل حتى تشتري المدرسة مسرحاً مجهزاً لكل صف. إن سحر التمثيل يكمن في الرمزية لا في فخامة الديكور؛ ومن طريف ما أذكره في صباي الباكر، أنني كنت أعمد إلى علبة "بريل كريم"، فأدهن بها مكان الشارب واللحية لأرسم ملامح الوقار على وجهي الصغير، ثم أجلس قبالة المرآة معتبراً إياها شاشة "مرناة" (تلفاز)، وأنني المذيع الذي يطل على العالم ببيانه. إن هذه البساطة هي التي تفتح آفاق الخيال، وتجعل من كل زاوية في البيت أو المدرسة منصة للانطلاق.

٢. العفوية ترياق التكلف — دعوا الفطرة تتحدث

نزهوا الأطفال عن التكلف الممقوت واتركوهم على فطرتهم وسجيتهم التي جبلوا عليها. إن كثيراً من المعلمين والمعلمات يقعون في شرك التحنيط الإبداعي حين يحفظون الطفل نصاً جامداً وكأنه لا يجوز تبديله أو الزيغ عنه؛ فيخرج التمثيل باهتاً ممجوجاً، يفتقر إلى روح الحياة، فلا يستسيغه الجمهور من الأقران، بل ولا يشعر الطفل الممثل بذاته فيه. إن جمال التمثيل في الصغر هو الارتجال المنضبط الذي ينبع من فهم المسألة لا من رص الكلمات، فدعوا الطفل يلبس الدور بروحه لا بلسان غيره.

٣. التمكين وصناعة الذاكرة — من المحاكاة إلى الابتكار

بعد أن يشرب الأطفال مبادئ اللعب التمثيلي، اتركوا لهم مساحة واسعة من الحرية ليبدعوا في كتابة نصوصهم الخاصة ورسم مسارات التنفيذ بأنفسهم. راقبوهم من كثب، فإن وجدتم أن مسارهم واضح وهادف فشجعوهم وكافئوهم، بل وصوروهم وأبرزوا إبداعهم في حسابات التواصل الاجتماعي؛ فما هي إلا سنوات يسيرة حتى يكبر أولئك الأشبال، وتصبح تلك المشاهد الموثقة جزءاً لذيذاً جداً من ذكريات طفولتهم، ومحفزاً يذكرهم دوماً بأنهم كانوا وما زالوا صناعاً للبيان وبناةً للأثر.

مقالات ذات صلة: