التدوينة (9) — الحركة واللعب: من فناء الدار القديم إلى فصول الشعر واللغة
على خلاف كل التدوينات السابقة التي انطلقتُ فيها عادةً من ذكريات الطفولة وتجارب الماضي الزاخرة بالعمل والممارسة، فإنني في هذه التدوينة أقف موقفاً مختلفاً، وأعترف من البداية وبكل شفافية: إن ممارسة الألعاب الحركية في طفولتي كانت واحدة من أبرز نقاط الضعف لديّ. لم أكن ذلك الطفل الذي يبرع في الركض والقفز والمنافسات البدنية المجهدة. ولكن، في كثير من الأحيان، لا يعرف أهمية الشيء وحقيقته مثل فاقده؛ فالناس الذين يعيشون في بيئات صحراوية جافة، يعرفون أهمية توفر قطرة الماء ويقدرون قيمتها أضعاف مضاعفة مقارنة بمن يعيشون على ضفاف الأنهار العذبة المتدفقة. ومن هذا المنطلق العطش إلى الحركة الموجهة، أدركتُ لاحقاً في مسيرتي التربوية الخطر الداهم الذي يحيط بأطفالنا اليوم نتيجة مصادرة حقهم الفطري في الحركة.
وبين يدي هذه التدوينة، واستكمالاً لما طرحناه في التدوينة الأم الشاملة حول القيم التربوية، أجد لزاماً عليّ أن أعود إلى الوراء قليلاً، لأنقل لكم نصوصاً حرفية من الجزء الأول من كتابي (الطفل والقرآن)، والذي شرفت بكتابته في شهر رمضان المبارك من عام 1429 للهجرة، لنرى كيف أن الأزمة كانت تتشكل منذ ذلك الحين، وكيف أننا اليوم ندفع ضريبة تجاهلها.
معركة الحركة
عالم الصغار
أجمع علماء النمو أن أن هذه المرحلة هي مرحلة تفجر الطاقة الحركية، حيث لا يفتأ الطفل يقفز على السرر، و يحاول تسلق الأشجار، و يجري في جنبات المنزل، و يرفض الجلوس الطويل.
الطفل من جانبه يشعر أنه مسلوب الحقوق، و لذلك ما إن يجد الفرصة سانحة حتى يخالف هذه الأوامر و النواهي.
عالم الكبار
هذا الحال يزعج الأهل في المنزل، كما يزعج المعلمات في الحضانة والروضة، فيبدأ الكبار بفرض قيود على حركة الطفل، و يسمع الطفل كل يوم و ليلة عشرات الأوامر «اجلس .. اهدأ .. انتبه»
و تظل المعركة قائمة بين رغبات الكبار و الصغار، عالم الكبار يريد الانضباط التام، و عالم الصغار يحلم بالحرية المطلقة، و في أتون المعركة تحترق التربية المتزنة.
طاقة الحركة: درس من انهيار سد مأرب
هل تذكرون قصة انهيار سد مأرب؟ لقد كان سدا قويا جدا، و لكن المياه الهادرة كانت أقوى منه. حين وصل الماء إلى جدار السد حاول العبور بهدوء، لكنه وجد المنافذ كلها مغلقة، و على أفضل تقدير وجد منافذ صغيرة لا تكفي لعبور أمواجه العظيمة، و بدأ الماء يزمجر، و بدأ السد يقاوم.. كان الناس ينظرون إلى السد و هم يكبرون قوته و جبروته، و فجأة انتهى كل شيء
رفض السد أن يفتح للماء مسارب كافية ينفذ منها بسلام فطغى الماء ..و تحول المكان إلى خراب.
هذه المشهد يعيد تمثيله دائما أولئك الذين يتعاملون مع الطفل و هم لا يدركون طاقته الحركية. إن طاقة الطفل الحركية في هذه المرحلة أشبه بالسيل المتدفق، إن لم تفرغ في مساربها الطبيعية تحولت إلى طاقة هدم و تدمير.
علينا إذن أن نعي ظروف هذه المرحلة .. و علينا أن ندرك أن مقارنة الطفل بالبالغ هي مقارنة غير عادلة، لأن البالغ لا يعتمل في جوانحه نفس القدر من طاقة الطفل.
إذا عُرف السبب.. بطل العجب! (الكتاتيب مقابل الفصول الحديثة)
الكتاتيب القرآنية
في نظام الكتاتيب القرآنية كان الأطفال يجلسون على الحصير، في مكان مفتوح لا تحده الجدران، و قد جرت العادة أن يتمايل الطلاب عند التلاوة، كما أنهم ينتقلون من مكان إلى مكان.
لم تكن مدة الدراسة تستغرق أكثر من ثلاث ساعات، فإذا انتهى الطفل أطلق ساقيه للريح مع بقية أترابه، و طفق يتسلق أشجار الوادي، و يتقافز هو وأقرانه بين حصواته.
يحق لنا أن نحسب هنا كم عدد الفرص المتاحة لتفريغ الطاقة الحركية؟
إن وضع الجلوس على الحصير يتيح من فرص الحركة أضعاف ما تتيحه الكراسي، كما أن التمايل بحد ذاته حركة، و التسلق حركة، و القفز حركة
و لذلك لم تعرف المجتمعات الريفية قديما ظاهرة (فرط الحركة) عند الطفل
الفصول الحديثة
الكراسي، الجدران، طول الجلوس، وضيق فرص تفريغ الطاقة صنعت بيئة تضغط الطفل بدل أن تفهم طبيعته.
الأعباء المدرسية والأزمات الصحية: ضريبة قمع الحركة
لم يقف الأمر عند حدود المعركة التربوية، بل امتد ليعصف بالصحة الجسدية والنفسية لأبنائنا. إن فقدان الأطفال للحركة، مقترناً بكثرة مطالبتهم بإنجاز الأعباء المدرسية الثقيلة، والواجبات المنزلية التي لا تنتهي، أدى إلى كارثة صحية حقيقية. الطفل اليوم يخرج من سريره إلى مقعد السيارة، ثم إلى مقعد المدرسة لست ساعات، ثم إلى مقعد الواجبات في المنزل، ثم إلى الأريكة أمام الشاشات.
وفقاً للبيانات والإحصاءات الصادرة عن منظمة الصحة العالمية (WHO)، فإن أكثر من 80% من المراهقين والأطفال في سن المدرسة على مستوى العالم لا يمارسون الحد الأدنى الموصى به من النشاط البدني (وهو ساعة واحدة يومياً).
أولاً: التداعيات الجسدية
ارتفاع مرعب في معدلات السمنة المفرطة بين الأطفال، وضعف في البنية العضلية، وانحناءات في العمود الفقري بسبب الجلوس الخاطئ، وضعف عام في المهارات الحركية الدقيقة والكبرى.
ثانياً: التداعيات النفسية والذهنية
ارتفاع معدلات القلق والتوتر المستمر (Anxiety) والاكتئاب الطفولي. إن الجسد الذي لا يتحرك يخزن هرمونات التوتر (الكورتيزول)، مما يؤدي إلى نوبات غضب غير مبررة، وصعوبات بالغة في التركيز، وهو ما يفسره النظام المدرسي خطأً على أنه «تمرد» أو «ضعف في الاستيعاب».
ما الذي حدث؟ (التحول المعماري والتعليمي)
كيف وصلنا إلى هذه النقطة المظلمة؟ هناك تحولات جذرية حدثت للألعاب الحركية على مستويين رئيسيين:
أولاً: على مستوى البيوت — التحول العمراني
كان النظام الإسكاني في كثير من البيوت القديمة يعتمد على أن البيت مؤلف من غرف صغيرة تلتف حول فناء (حوش) واسع ومكشوف. في هذا الفناء، كان الطفل يجد مكاناً آمناً ورحباً للحركة واللعب. وإذا خرج من باب منزله، فإن طبيعة البيئة التي يسكنها كانت تسمح له بأن يطلق ساقيه للريح في الحواري والسكك الرملية، دون أن يخشى من زحام السيارات أو الآليات، ودون أن يخشى عليه أهله من حوادث الدهس أو الاختطاف. اليوم، تحولت منازلنا إلى شقق مغلقة وعلب إسمنتية ضيقة، وصارت الشوارع ساحات إسفلتية خطرة لا مكان فيها لأقدام الصغار.
ثانياً: على مستوى المدارس — تحزيم الرياضة
عندما بدأت المدارس النظامية قديماً، كانت تُعامل حصة الرياضة على أنها «حصة ترويح وتفريغ». فحصص الرياضة والفنون لم تكن تُحسب لها درجات في المعدل التراكمي، ولذلك كان الطلاب ينظرون إليها على أنها المتنفس الوحيد في اليوم الدراسي المشحون، وينتظرون حصة الرياضة بفارغ الصبر.
ولكن، ما الذي حدث بعد ذلك؟ لقد قامت الأنظمة التعليمية بـ «تقنين» حصص الرياضة؛ فوضعت لها مناهج نظرية، وأدخلت فيها جوانب معرفية معقدة. وفي بعض الدول، أُصدرت كتب مدرسية لمادة الرياضة، وأصبح الطالب يُختبر فيها ورقياً وعملياً ضمن معايير تقييم صارمة. فتحولت مادة الرياضة من مساحة للحرية واللعب العشوائي الممتع، إلى مادة جافة ينظرون إليها في بعض الأحيان على أنها أشد قسوة وصعوبة من بعض المواد العلمية البحتة!
الحلول المقترحة: دمج الحركة باللغة في التعليم المبكر
إن إعادة الاعتبار للألعاب الحركية بقوة في المدارس، لا سيما في مراحل التعليم المبكر (رياض الأطفال) والحلقة الأولى، يجب ألا يتم بمعزل عن البناء المعرفي والقيمي، بل يجب أن يكون مساراً متكاملاً، وتحديداً من خلال ربط الحركة بتعليم اللغة العربية.
لا ينبغي أن نعزل الرياضة في حصة واحدة، بل يجب أن نجعل الحركة هي «الوعاء» الذي يتشرب من خلاله الطفل المعارف، تماماً كما نؤسس في برامجنا التربوية ومناهجنا. وإليكم تطبيقات عملية:
1 — الأوامر الحركية اللغوية (التجسيد الحركي للمعاني)
بدل أن يقف المعلم ليأمر الطلاب بحركات رياضية صامتة أو مصحوبة بعدّ رقمي جاف (واحد، اثنان، ثلاثة)، يمكنه دمج الوصف اللغوي العميق. فعلى سبيل المثال، عندما يطلب من الطلاب أن يقفزوا، يقول لهم بأسلوب مسرحي تفاعلي: «اقفزوا كالحصان العربي الأصيل!»، أو «تمايلوا كأغصان البان في مهب الريح!»، أو «ثِبوا كالنمر!». هذا يربط بين الفعل العضلي والمخزون المعجمي، فيفهم الطفل معنى الكلمة من خلال جسده قبل أن يقرأها في القاموس.
2 — إيقاع الحركة مع ديوان العرب (الشعر العربي)
الشعر العربي القديم مليء بالإيقاعات الحركية والأوزان الخليلية التي تتناغم تماماً مع حركة الجسد. يمكن للمعلم أن يربط كل تمرين من التمارين الرياضية ببيت من الشعر العربي الرصين، فيقوم الطلاب بإنشاد البيت بشكل جماعي متناغم مع حركة أيديهم وأرجلهم.
تخيلوا طفلاً في الصف الأول يركض في مكانه وهو ينشد بصوت جوهري متناغم أبياتاً تعزز الشجاعة، أو وهو يؤدي تماريناً للوثب متغنياً بجماليات الطبيعة في الشعر العربي الأصيل. هذا الدمج العبقري لا يفرغ طاقة الطفل فحسب، بل يطبع اللغة العربية نحواً وصرفاً وفصاحة في جهازه العصبي للأبد، ويحفظ تراثنا من الضياع.
3 — تقسيم أوقات التعلم (قاعدة الخمس دقائق)
سواء كنا نعلم الطفل في المنزل أو في المدرسة، دعوه يتحرك كي يتعلم. إن حرمان الطفل من تفريغ طاقته الحركية لن يؤدي إلا إلى قتل مواهبه، وتحدر مستواه المعرفي، وضمور إبداعه.
إذا كنا نعلمه القرآن أو اللغة في المنزل، فينبغي أن نقسم الدرس إلى ثلاث حصص قصيرة ومكثفة، كل حصة تستغرق خمس دقائق فقط. وينبغي أن نباعد بين الحصص (حصة في الصباح، وحصة في الظهر، وحصة بعد صلاة المغرب)، تتخللها أوقات طويلة من اللعب الحر غير الموجه.
خاتمة: دعوهم ينطلقوا
إن علينا أن ندرك في نهاية المطاف أن الطفل لا يمكنه أن يجلس وقتاً طويلاً. وحتى إن ألزمناه بالجلوس تحت وطأة التهديد والعقاب، فإن قدرته على الاستيعاب ستقل تدريجياً إلى أن تنعدم تماماً بعد مرور عشر دقائق تقريباً.
علينا أن نعيد ساحات اللعب إلى بيوتنا ومدارسنا، وأن نُسقط تلك القداسة الزائفة عن «الجلوس الصامت» في الفصول، وأن نجعل من الحركة جسراً نعبر به بأطفالنا نحو صحة الجسد، وفصاحة اللسان، ورسوخ الإيمان.