قول الحَسن.. العبادة الغائبة وكيف نُعيدها إلى ألسنة أبنائنا؟
بقلم: عبدالله بن عامر العيسري (أبو بلج)
المؤسس — مدرسة القارئ العبقري
افتتاحية: مشهدٌ في صدر المجلس
تخيّل معي هذا المشهد: مجلسٌ واسع يعجُّ بالضيوف من الشيوخ والأعيان، توافدوا من خارج البلدة، وأخذت الأحاديث تدور بينهم في وقار. وبينما هم جلوس، انفتح الباب ليدخل طفلٌ صغير لم يتجاوز الثامنة من عمره — سنّ التمييز والتأهب للتكليف.
لم ينزوِ الطفل خجلًا، ولم ينشغل بشاشة هاتفٍ تُبقيه في عزلة رقمية للهروب من واقعه. بل وقف بثبات، ورفع عقيرته بصوتٍ واثق يملأ المكان: «السلام عليكم ورحمة الله وبركاته». ثم تقدّم بخطىً واثقة، وصافح الحاضرين واحدًا واحدًا بكلتا يديه، احترامًا وتوقيرًا.
اتجه الطفل ليجلس في طرف المجلس، كما هي العادة والأدب، ولكنّ الشيخ الجليل الجالس في صدارة المجلس استوقفه مناديًا. سأله عن اسمه بملاطفة، وعن مدرسته، ثم أدخل يده في جيبه وأخرج ريـالًا ناوله للطفل تشجيعًا له.
لم يختطف الطفل الريـال ويهرب، بل نظر في عيني الشيخ وقال بامتنان: «أحسنت، وجزاك الله خيرًا». وبينما هو يهمّ بالانصراف — وقد غمره الفرح بتلك الهدية — وطئ بقدمه الصغيرة على قدم الشيخ دون قصد. فتسمّر في مكانه، وتراجع خطوة إلى الوراء قائلًا بصدق: «أعتذر.. سامحني». ضحك الشيخ من براءة الطفل وحسن أدبه.
وفي طريقه للخروج، لمح الطفلُ أحدَ أبناء الضيوف يحمل بين يديه لعبةً جديدة اشتراها له أبوه في الطريق. اقترب منه وقال بابتسامة: «ما شاء الله، سيارتك جميلة! هل تسمح لي بأن ألعب بها معك؟».
خماسية القول الحَسن
هذا المشهد المتخيّل، يضمّ في دقيقةٍ واحدةٍ حزمةً راقيةً تتألف من خمسة صنوفٍ من «قول الحَسن» للناس، وهي:
السلام
المبادرة به بصوتٍ مسموع وصيغةٍ تامة.
1. السلام: المبادرة به بصوتٍ مسموع وصيغةٍ تامة.
الشكر والدعاء
الاعتراف بالفضل وردّ الجميل بالدعاء.
2. الشكر والدعاء: الاعتراف بالفضل وردّ الجميل بالدعاء.
الاعتذار
الإقرار بالخطأ فور وقوعه دون مكابرة.
3. الاعتذار: الإقرار بالخطأ فور وقوعه دون مكابرة.
الثناء
إبداء الإعجاب الصادق بما يملكه الآخرون دون حسد.
4. الثناء: إبداء الإعجاب الصادق بما يملكه الآخرون دون حسد.
الاستئذان
احترام مساحات وممتلكات الآخرين بطلب الإذن اللطيف.
5. الاستئذان: احترام مساحات وممتلكات الآخرين بطلب الإذن اللطيف.
وقد قلتُ إنّه «مشهدٌ متخيّل»، لأنّ هذه — للأسف — صورةٌ حالمة في زماننا هذا. فمن النادر جدًّا أن نجد اليوم شبابًا وصلوا إلى العشرين أو الثلاثين يجمعون القدرة على «قول الحَسن» للناس بهذه الطريقة التلقائية وبكل هذه الصنوف، بَلْهَ أن يمتلكها طفلٌ ما زال في ربيعه الثامن!
وهنا يطرح السؤال نفسه بمرارة: لماذا لا نجد هذه الصورة ماثلةً في حياتنا وحياة أبنائنا؟ مع أنّ الله سبحانه وتعالى جعل «قول الحَسن» واسطةَ عِقدِ العبادة، وجزءًا من الميثاق الغليظ، إذ قال جلّ جلاله:
نحن نؤمن بأنّ التربية تبدأ من قاعدة خماسية السكينة: (نوم وصحة، لعب، عمل، علم، عبادة). وكما أنّ إيقاع النوم الصحيح يُعطينا طفلًا سويّ النفس، وكما أنّ اللعب بالمحاكاة يُنمّي مهارات الطفل اللغوية والاجتماعية، فإنّ تاج هذه السكينة يتمثل في «العبادة»، وقول الحَسن للناس هو من أظهر صور هذه العبادة وأكثرها احتكاكًا بالمجتمع.
فهل غيابُ هذا السلوك سببه أنّ طبيعة النفس البشرية تأباه؟ أم لأنّ التربية عليه توارت عن دائرة اهتمامنا وذابت كما تذوب القطرة في اليَمّ؟ أم أنّ المنظومة التعليمية بشقيها الحكومي والخاص تتحمل الوزر؟ هذا ما سنحاول مقاربته وتفكيكه.
أسباب غياب قول الحَسن من قواميس أطفالنا
١. كيد الشيطان والنفس الأمّارة
إنّ الشيطان للإنسان عدوٌ مبين، وهو يقف بالمرصاد لكل فضيلة. فإذا أُسدي للإنسان معروف، وسوس له الشيطان ألّا يشكر، مقنعًا إياه بأنه استحقاق. وإذا كان الناس في عمومهم مقصّرين في شكر خالقهم سبحانه — مصداقًا لقوله تعالى: ﴿وَقَلِيلٌ مِّنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ﴾ — فكيف ستنفعل نفوسهم المستثقلة لشكر بشرٍ مثلهم؟
وكذلك في الاعتذار؛ يُوهِم الشيطان المخطئ بأنّ الاعتذار كسرٌ للكرامة وتصغيرٌ للنفس أمام الناس. وفي الثناء، يوسوس له بأنّ مدح الآخرين سيصيبهم بالغرور ويجعلهم يَرَون أنفسهم خيرًا منه. بل حتى في الاستئذان واستخدام عبارات التلطف (من فضلك، إن سمحت)، ينفث الشيطان كبرًا في القلوب، لأنه يعلم أنّ من تذلّل لله وتلطّف لعباده ارتفع قدره، وتحوّلت حياته إلى ذِكرٍ متصل، وهذا ما لا يريده إبليس لعنه الله.
٢. الجهل بأحكام الدين وقواعد الرد
كم من أناسٍ لا يُلقون السلام، أو يردّونه بطريقةٍ خاطئة، لأنهم بكل بساطة يجهلون أحكامه الربانية!
يقول الله تعالى: ﴿وَإِذَا حُيِّيتُم بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا ۗ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ حَسِيبًا﴾ [النساء: 86]
لفهم التطبيق العملي لهذه الآية العظيمة، دعونا نستعرض هذا الجدول البسيط الذي يوضح الحالات الثلاث لرد التحية:
| تحية المُبادر (زيد) | الردّ الواجب (عمرو) | الردّ الأحسن (عمرو) | التبرير الفقهي |
|---|---|---|---|
| السلام عليكم | وعليكم السلام | وعليكم السلام ورحمة الله | الزيادة تُحقق شرط (بأحسن منها)، والمماثلة واجبة كحد أدنى. |
| السلام عليكم ورحمة الله | وعليكم السلام ورحمة الله | وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته | الاكتفاء بـ«وعليكم السلام» وحدها هنا إثم لأنه نقص عن التحية. |
| السلام عليكم ورحمة الله وبركاته | وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته | لا توجد زيادة مأثورة | الواجب ردّها كاملة؛ لا يصح تنقيصها تحقيقًا لأمر الله. |
٣. غياب التربية بالمُجالسة
لقد تضخّمت مساحات البيوت اليوم، وازدادت الرغبة في الخصوصية، فصار كل فردٍ يجلس في حاله. اختفت تلك المجالس التي كانت تدمج الطفل مع الكبار وتصقل لسانه من خلال الممارسة اليومية.
إنّ اللغة لا تنمو إلا بالممارسة، وعندما يغيب التواصل وتختفي مجالس السَّمر والحوار التي كان الآباء يقيمونها، تضمُر مهارات التواصل الاجتماعي، ويُحرم الطفل من اكتساب مفردات الشكر والثناء والسلام التي لا تُلقّن بالورقة والقلم، بل بالمخالطة الحية.
٤. جفاف المحاضن التربوية
لم يَعُد البيت، ولا المدرسة، ولا حتى المسجد يمتلكون التركيز الكافي لتدريب الطفل على قول الحَسن. لقد طغت المقررات الأكاديمية الجافة على حساب بناء القيم، وصدق الشاعر حين قال:
الحلول العملية: كيف نزرع «قول الحَسن» في ألسنتهم؟
كما عوّدناكم دائمًا، نحن لا نكتفي بنقد الواقع ورصد الأمراض، بل نطرح البديل العملي المتدرّج الذي ينطلق من الجذور.
أولًا: المربّون أولًا.. «التخلّي قبل التحلّي»
قبل أن نلتفت إلى من استأمننا الله عليهم، يجب أن نلتفت إلى أنفسنا، امتثالًا لقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا﴾ [التحريم: 6]. وقاية الأنفس تسبق وقاية العيال.
يجب أن نتخلّى تمامًا عن كلّ قولٍ مرذول أو فاحش في بيوتنا. يقول الحق تبارك وتعالى: ﴿مَّا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾، ويقول المربّي الأعظم ﷺ: «مَن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقُل خيرًا أو ليصمُت».
تخيّلوا الفارق الشاسع بين طفلٍ ينشأ في بيتٍ هادئ لا يسمع فيه إلا ذِكر الله والكلمة الطيبة والنداء الرقيق، وطفلٍ يُصبّحه أهله ويُمسّونه بصراخٍ وتوبيخ وهُجرٍ من القول! القدوة الصامتة في البيت أبلغ من ألف خطبة، وكيف ننهى أطفالنا عن سوء القول وألسنتنا تقطر به؟
ثانيًا: الجلوس اليومي.. «الصلاة السادسة»
علينا أن نجعل من الجلوس مع أبنائنا بضع دقائق يوميًا ضرورةً ملحّة، كأنها «صلاة سادسة» لا مساومة عليها. لا يصح أن نتعذّر بمشاغل الحياة والعودة من العمل مرهقين، فالأنبياء — صلوات الله عليهم — مع عِظم أعبائهم الثقال في تبليغ الرسالات وإدارة المعارك، كانت لهم مواقف عظيمة وممتدة في محاورة أبنائهم والجلوس مع زوجاتهم.
بقدر جلوسنا مع أطفالنا واستماعهم لمفردات الاعتذار والثناء منّا، بقدر ما تنطبع هذه المفردات في أذهانهم لتتحول إلى سلوك.
ثالثًا: المنهج الرباني في التدرج
يقول الله تعالى: ﴿وَلَٰكِن كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ﴾ [آل عمران: 79]. العالم «الرباني» هو الذي يُربّي الناس بصغار العلم قبل كباره.
لذا، لا تضغط على طفلك ليتحلى بكل صفات اللباقة دفعة واحدة! خذه على سُنن التدرج. اختر قيمةً واحدة — ولتكن «إلقاء السلام بصوت واضح» — وركّز عليها لمدة شهر كامل حتى ترسخ وتصبح عادة صلبة. إضافةُ جملةٍ واحدةٍ من القول الحَسن شهريًا مع تحويلها لواقع، خيرٌ ألف مرة من مواعظ طويلة لا تُثمر إلا نفورًا.
رابعًا: الحزم مع التسربات السلبية (دور المدرسة)
إذا لاحظتَ أنّ طفلك التقط كلمةً فاحشةً أو بذيئة لم تكن موجودة في قاموس بيتك، فتوجّه فورًا إلى مدرسته. لا تتساهل. قد يكون الصف موبوءًا، أو قد يكون قد استمدها من أحد أقرانه الذين غابت عنهم المحاضن التربوية. يجب أن تُطالب الإدارة المدرسية بالصرامة واتخاذ كافة الإجراءات لتنقية بيئة الطفل من هذه الملوثات اللفظية، فمسؤولية المدارس عظيمة ولا تقل عن مسؤولية الآباء.
خامسًا: الاحتفاء بالمكتسبات الإيجابية
في المقابل، إذا عاد ولدك من مدرسته وقد اكتسب مفرَدةً جديدةً من «قول الحَسن» (كأن يقول: من فضلك، أو جزاك الله خيراً)، فبادر بالتواصل مع المدرسة لدعم هذا السلوك. اشكر المعلم أو المعلمة وادعُ لهم بظهر الغيب، وإذا كان مصدر الكلمة أحد أقرانه الصالحين، فعبّر عن شكرك لذلك الزميل وأسرته. هذا التعزيز الإيجابي يصنع بيئة تتكاثر فيها الفضيلة وتندحر فيها الرذيلة.
ختامًا..
إنّ الكلمة الطيبة ليست مجرد قشرة اجتماعية نتجمل بها، بل هي قلب التربية وجوهر العبادة. وكما أشرنا سابقًا في تدوينة [اللعب بالدمى وألعاب المحاكاة]، فإنّ الطفل الذي يتدرب على محاكاة أدوار الكبار يحتاج بشدة إلى حصيلة لغوية إيجابية تُسعفه. وكما أكدنا في تدوينة [النوم والصحة] بأن إصلاح الظاهر يبدأ من إصلاح الباطن والأساسات، فإنّ ألسنة أبنائنا هي المرآة التي تعكس ما سكبناه في أرواحهم من سكينةٍ أو صخب. فلنبدأ اليوم.. بكلمةٍ طيّبة.