التدوينة (8) — التجارة وريادة الأعمال: من دراجة «البالون» إلى صناعة العقل المالي
في زحمة الحياة المعاصرة، وانشغال الآباء والأمهات بتأمين مستقبل أبنائهم الأكاديمي، نغفل في كثير من الأحيان عن مهارة أساسية تشكل العمود الفقري لاستقرار الإنسان في كبره؛ ألا وهي «الثقافة المالية» وممارسة التجارة في سن مبكرة. إننا نرسل أبناءنا إلى المدارس ليتعلموا النظريات، لكننا قد ننسى أن نرسلهم إلى «مدرسة الحياة» ليتعلموا كيف يتدبرون شؤونهم. ولعل لغة الأرقام العالمية اليوم تدق ناقوس الخطر؛ فوفقاً لدراسة منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OECD) حول الثقافة المالية المطبقة على عينة واسعة من الطلاب في سن الخامسة عشرة، تبين أن أكثر من 60% منهم يمتلكون حسابات بنكية، لكن خُمس هؤلاء الطلاب يفتقرون إلى المهارات الأساسية للثقافة المالية، مما يعني عجزهم التام عن تطبيق معارفهم في مواقف الحياة الحقيقية وصناعة قرارات مالية سليمة.
هذا العجز المالي لم يكن موجوداً في مجتمعاتنا قديماً، حيث كانت التجارة والعمل جزءاً لا يتجزأ من التكوين النفسي والاجتماعي للطفل. ودعوني في هذه التدوينة أعود بكم إلى الوراء قليلاً، لنستلهم من عبق الماضي التأسيس التربوي السليم، ثم نربطه بواقعنا المعاصر كما فعلنا في التدوينة الأم الشاملة.
المعاناة الأولى.. ومولد «دراجة البالون»

بين شراء دراجتي الهوائية العتيقة -التي كنا نطلق عليها اسم (البالون) لضخامة إطاراتها- وبين قدرتي الفعلية على قيادتها لمسافات طويلة، تقبع مسافة زمنية لا أذكر تفاصيلها بدقة، ولكن الذي حُفر في ذاكرتي هو حجم العناء والمكابدة. كان معلم القيادة هو أخي الأكبر «سعيد» -الذي يكبرني بثلاث سنوات-، وقد كان يضيق ذرعاً بكثرة محاولاته لتعليمي، حتى بلغ به اليأس مبلغه، وكاد أن يفقد الأمل في أن يأتي اليوم الذي أستوي فيه على مقعد تلك الدراجة منطلقاً وحدي.
وذات يوم قائظ، ركبت الدراجة ظهراً على حين غفلة من أهلي.. وما هي إلا لحظات حتى انطلقت! كنت أطير فرحاً بهذا الإنجاز الذي تحقق أخيراً. غير أن فرحتي العارمة بالقدرة على ركوب الدراجة لم يكن مبعثها الأول هو «اللهو البريء» الذي يناله الأطفال عادة من الدراجات، بل كان مبعثها الحقيقي إدراكي العميق بأن هذه الآلة الحديدية ستعينني على «المهمة اليومية الثقيلة»: التردد على السوق.
كان السوق يبعد عن بيتنا حوالي كيلومترين أو ثلاثة، وكنت قبل ذلك أذهب إليه راجلاً، أحمل فوق رأسي سلة متواضعة (قفيراً) تحوي ما يمكن بيعه من التمر أو المحاصيل الأخرى. لقد كانت الدراجة بالنسبة لي آنذاك بمثابة «أتمتة للعمليات»، وتخفيفاً للجهد التشغيلي في تجارتي الصغيرة.
رحلة المحاربين.. وسقوط القفير

في أول يوم من أيام هذا التحول الاستراتيجي، مررت كالعادة على رفيق الدرب وصديق الطفولة، أخي الدكتور عامر بن محمد العيسري. ذهبنا معاً كما يذهب المحاربون إلى ميدان المعركة، منقسمين في أداء المهمة: كنت أنا «الخيّال» الراكب على الدراجة، بينما كان هو يسير راجلاً على قدميه، تجمعهما غاية واحدة.
وفي غمرة حماسنا، حدث ما لم يكن بالحسبان؛ إذ جئت لأساعده في رفع «قفير» التمر وتثبيته فوق رأسه، فاختل التوازن، ووقع القفير بما فيه من تمر في التراب! تسمرنا في أماكننا للحظات، ولم يكن بيدنا حيلة لإنقاذ بضاعتنا إلا أن نأخذ التمر، نغسله بالماء لإزالة التراب، ثم نعيده مبلولاً إلى القفير، ونواصل المسير نحو السوق.
الفرق بين التسويق والمبيعات.. درس في الدكان
وصلنا إلى السوق، ودخلنا أول الدكاكين التي تقابلنا عن يسارنا، وكان دكان الوالد سيف بن حمود -رحمه الله-. كنا معتادين على بيعه بضائعنا بنظام المساومة. عندما نظر الوالد سيف إلى التمر، رأى فيه لمعاناً شديداً وبريقاً يخطف البصر، فظن للوهلة الأولى أنه يلمع من كثرة ما فيه من «عسل التمر» (الدبس)، فقال بثقة: «أشتريه بريال!».
فقلنا له بصوت واحد وقد طارت قلوبنا فرحاً: «تم!».

هذا اللمعان الأولي الذي جذب انتباه التاجر هو جوهر ما نطلق عليه اليوم في جلساتنا الاستشارية «التسويق السطحي» أو الانطباع الأولي؛ فالتسويق يعتمد أحياناً على الإبهار والسردية غير المباشرة التي تفتح شهية العميل. ولكن، شتان بين لمعان التسويق وبين صلابة «المبيعات» التي تعتمد على الفحص والتدقيق وإبرام العقود.
فلما قرّب الوالد سيف التمر إلى عينيه ليفحصه فحصاً نافذاً، اكتشف الحقيقة: التمر مغسول بالماء! وهذا الخلل الفني يعني أن التمر بات مرشحاً للفساد وغير صالح للتخزين طويل الأمد. هنا تبدد بريق «التسويق»، وحضرت قسوة «المبيعات» والتقييم الحقيقي للمنتج. نظر إلينا وقال بحزم: «بـ 100 بيسة.. ولا أزيدكم!». ولأننا كنا نعلم يقيناً في قرارة أنفسنا أن هذا هو السعر العادل لبضاعة معيبة، فقد وافقنا فوراً.
العودة إلى خالتي ريّا.. وإدارة الأزمة
رجعنا من السوق وأقدامنا لا تكاد تحملنا، نمشي مشية الذي يُغشى عليه من الموت. كان السؤال الذي يعتصر قلبينا هو: تُرى، ماذا سنقول لخالتي ريّا؟
كانت خالتي ريّا قد اعتادت أن «تقاولنا» في حمل التمر وبيعه، وعندما نعود، كانت تمنح كل واحد منا 50 بيسة كأجرة لعمله. معنى ذلك أن المبلغ الإجمالي الذي نتقاضاه منها كأجرة في اليوم العادي هو 100 بيسة. واليوم.. الـ 100 بيسة هي كل ما حصدناه من ثمن البضاعة بأكملها! فما عسانا قائلون لها؟ وما عسى أن ينالنا من التأنيب، والتقريع، وربما العقاب الشديد؟
وصلنا إليها، وقصصنا عليها القصة بحذافيرها. وهنا تجلت عظمة التربية وصفاء النفوس. فبما وهبها الله سبحانه وتعالى من حب للخير وكظم للغيظ، لم تعنفنا، بل ابتسمت وقالت بقلب حانٍ: «هذا رزقكم اليوم، وتعالوا من غدٍ كالعادة».
كان هذا الموقف من أكثر المواقف التي أثلجت صدورنا؛ لأننا أدركنا يومها أن القائد الناجح والمربي الفاضل هو من يتعامل بمنطق الإيمان واحتواء الأخطاء، أكثر مما يتعامل بمنطق الأرقام التجارية الجامدة وحسابات الربح والخسارة الآنية.
فلسفة ما بعد القصة.. أحجار نموذج العمل التجاري
مضى على هذه القصة نحو 45 عاماً. في ذلك الوقت، لم نكن نعرف مصطلحات الإدارة الحديثة، ولا شيئاً يسمى «نموذج العمل التجاري» (Business Model Canvas). ولكن لو رجعتم إلى مفاصل هذه القصة وقمتم بتشريحها قطعة قطعة، لوجدتم أن كل أحجار هذا النموذج الإداري كانت ماثلة أمامنا: من تحديد الموارد الأساسية (التمر، الدراجة)، والشركاء (الخالة ريّا، الصديق عامر)، وقنوات التوزيع (السير إلى السوق)، وشرائح العملاء (الوالد سيف)، وهيكل التكاليف، ومصادر الإيرادات. لقد كانت ممارسة التجارة حاضرة تصقل المهارات وتصنع الرجال.
ومن هنا، أود أن ألفت انتباه المربين إلى ثلاثة أمور جوهرية:
الأمر الأول: التأصيل الشرعي للتجارة المبكرة

إن ممارسة الطفل للتجارة والبيع والشراء بالمال اليسير ليس بدعة غربية، بل له أصل مكين ودليل شرعي في كتاب الله سبحانه وتعالى القائل:
الأمر الثاني: الطبيعة الإنتاجية للمجتمع
ما ورد في القصة لم يكن حالة شاذة أو نادرة في ذلك الزمان، بل كان معظم الأطفال -إلا ما ندر- يمارسون البيع والتجارة بوجه أو بآخر. ولأننا مجتمع زراعي، فقد كانت جل تجارتنا مرتبطة بما نكاثره وننتجه من زروع وثمار. وفي بيئات أخرى تعتمد على الرعي، كان الأطفال يربون صغار الماشية، حتى إذا كبرت وباعوها، عاد أصل المال وربحه إلى ذمة الطفل، مما يغرس فيه حس الملكية والمسؤولية.
الأمر الثالث: المهارات المكتسبة أعظم من الأرباح النقدية

إن ما يكتسبه الطفل من مهارات حياتية جراء ممارسته للتجارة هو أضعاف أضعاف ما يحصل عليه من ربح مادي. فكما تلاحظون في القصة، لم يتجاوز مكسبنا المالي 50 بيسة، لكن المهارات التي كسبناها كانت ثروة حقيقية لا يمكن لأرقى الفصول الدراسية أن تمنحها، ومنها:
الاعتماد على النفس: الاستقلال المالي وعدم الاتكال الكلي على ما ينفقه الأهل.
مهارات التفاوض: التي تعلمناها في دكان الوالد سيف وكيفية تقييم البضاعة.
مهارات الاعتذار وإدارة الأزمات: التي برزت في مواجهة الخالة ريّا وتحمل مسؤولية الخطأ.
مهارات تقليص الجهد والابتكار: وتجلت في استخدام «دراجة البالون» كأداة لوجستية لتقليل الجهد البدني.
هذه المهارات وغيرها، ما كانت لتتحقق لنا لولا انغماسنا المباشر في ممارسة التجارة منذ نعومة أظفارنا.
التكامل مع تدوينة العمل المنزلي: ثلاث طرائق لتعليم الطفل التجارة من البيت
بالبناء على ما فصلناه سابقاً في التدوينة الخاصة بالعمل المنزلي، حيث قسمنا المهام إلى أعمال مأجورة وأعمال سيادية، يمكننا استثمار البيئة المنزلية لتعليم الطفل التجارة عبر ثلاث طرائق عملية:
الاستثمار في العقود المصغرة (Outsourcing): بدل أن نجلب عمالة خارجية للقيام بمهام استثنائية (كغسيل السيارات العائلية، أو تنظيف المخزن، أو العناية بالحديقة)، يمكن للأب أن يطرح هذه المهام «كمناقصة» داخل البيت. يقدم الأبناء عروضهم، ويتم التعاقد معهم بمقابل مالي مجزٍ. هذا يعلمهم قيمة الجهد البدني وارتباطه المباشر بالمكسب المالي، ويكسر حاجز الكسل.
تفويض ميزانية المشتريات (Procurement Management): أن تُمنح ميزانية صغيرة ومحددة للطفل (أو المراهق) مكلفاً إياه بشراء احتياجات محددة للبيت (كخضروات الأسبوع). ومهمة الطفل هنا أن يبحث في السوق عن الجودة الأفضل بالسعر الأقل. وأي توفير ينجح في تحقيقه من الميزانية، يكون من نصيبه كـ «مكافأة أداء». هذا ينمي مهارات التفاوض والمقارنة ببراعة.
الإنتاج المنزلي للخدمات الرقمية والحرفية (Micro-Enterprises): في عصرنا الحالي نشجع الأطفال على تقديم خدمات تقنية بمقابل. كأن يقوم الابن الذي يجيد التقنية بتصميم عروض تقديمية لإخوته أو أهله، أو أتمتة جداولهم عبر أنظمة ذكية بمقابل رمزي، أو أن تقوم الابنة بصناعة حلويات وبيعها في نطاق العائلة الموسعة.
دور المدرسة: الشراكة المفقودة بين الأسرة والمؤسسة التعليمية
التربية المالية لا تكتمل إلا بجناحين: البيت والمدرسة. وإيماناً منا في «مدرسة القارئ العبقري» بهذه الفلسفة، نرى أنه يجب على المدارس أن تتبنى استراتيجيات تعين الأسرة على تعليم التجارة، وذلك عبر ثلاث خطوات:
الأسواق المدرسية المفتوحة (Bazaars): لا يكفي أن نعلم الطفل نظريات الرياضيات؛ بل يجب أن ينزل إلى الساحة. ينبغي للمدرسة أن تخصص يوماً في الشهر يتحول فيه فناء المدرسة إلى سوق مفتوح، يعرض فيه الطلاب (بالتعاون مع أسرهم) منتجات صنعوها بأيديهم، ويتولون بأنفسهم عمليات البيع والشراء وإدارة النقد.
محاكاة نظام «العملة المدرسية» الموحدة: تستطيع المدارس خلق اقتصاد مصغر داخل أسوارها (Token Economy)، بحيث يكتسب الطالب «نقاطاً أو عملات مدرسية» نتيجة تفوقه أو انضباطه، ويمكنه استخدام هذه العملة لشراء امتيازات (كرحلة خاصة، أو وجبة، أو قيادة نشاط). ويمكن للأسرة أن تشتري لأبنائها هذه العملات كمكافأة، مما يربط الجهد المدرسي بالواقع المالي.
تطبيق منهجية (STEAM) في ابتكار المنتجات: فإن المدرسة يجب أن تدرب الطلاب على ابتكار منتجات حقيقية (سواء كانت برمجيات بسيطة أو مجسمات هندسية)، ومن ثم دراسة تكلفة إنتاجها، وهامش ربحها، وكيفية تسويقها، ليتخرج الطالب وهو يملك عقلية «صانع الحلول» لا مجرد «مستهلك للمعلومات».
خاتمة
إذا كان هدفنا حقاً أن نُعدّ هؤلاء الأطفال للحياة الحقيقية بمتغيراتها الاقتصادية القاسية، فلا يجوز أن يقتصر دورنا على حشو أدمغتهم بنظريات لا تُسمن ولا تُغني من جوع في سوق العمل. الطفل الذي لا يعرف كيف يفاوض بكرامة، وكيف يبيع بصدق، وكيف يتحمل مسؤولية خسارته ويتداركها (كما فعلنا يوم وقع تمرنا في التراب)، سيجد نفسه تائهاً أمام أول عاصفة مالية تواجهه في شبابه.
دعوا أبناءكم يركبون دراجات «البالون» الخاصة بهم، ودعوهم يختبرون وعورة الطريق.. فمن رحم تلك المعاناة تولد السكينة وتُصنع العقول.
هذه التدوينة جزء من سلسلة «25 قيمة لا تُعلِّمها الكتب المدرسية لأبنائك»
ندعوكم لقراءة التدوينة الأم الشاملة في موقعنا للتعمق أكثر في هذه الفلسفة التربوية.
المؤسس — مدرسة القارئ العبقري