سلسلة: ٢٥ قيمة لا تُعلِّمها الكتب المدرسية لأبنائك
اللعب بالدُّمى وألعاب المحاكاة
لماذا أقرَّها النبي ﷺ — وكيف نَستردُّها لأبنائنا في زمن الشاشات؟
بقلم: عبدالله بن عامر العيسري (أبو بلج)
قصة الطائرتين الحمراوين

سأبدأ التدوينة بقصة طريفة. ذات صباح وأنا ما أزال في سنوات عمري الأولى، رجع عمّي أحمد حفظه الله من العاصمة، وفور أن رآني أعطاني طائرتين حمراوين، وقال لي: «هذه لك، وهذه لعمّوره وخلوفه». ولم يكن «عمّوره وخلّوف» سوى ابني عمتي الدكتور عامر العيسري والأستاذ خلفان بن محمد بن عامر العيسري. وأمّا أنا فقد كان اسمي «عبّوده».
ركضتُ وسابقتُ الريح، ولا أذكر بأنّي قلتُ له أيّ عبارة شكر من فرط فرحتي بتلك الطائرة. فقد كانت الألعاب آنذاك شحيحة، لا يكاد يراها إلا أبناء الأغنياء المترفين. أمّا أمثالنا من الفقراء، ومن مَن ذاقوا مرارة اليُتم مثلي أنا — فهؤلاء لا يكادون يَرَون الألعاب إلا مرّةً واحدة في يوم العيد.
اتفقنا أن نَلعب بالطائرتين بفرحٍ غامر. ولكن — كعادة الأطفال — ما هي إلا بضع دقائق حتى تعكَّر الجوّ، وحامت فوقنا سحابةٌ من الخلافات التي تَحدث عادةً. وهناك قال لي الشيطان: «أنت تَملك أكبر ورقة ضغطٍ لا تَملكها كثيرٌ من الدول، وهي الطائرة الحمراء». فقرّرتُ من فوري أن أَقطع كلّ مستويات العلاقات الدبلوماسية بيني وبين «عمّوره وخلّوف»، وقلتُ لهما: «هاتِ الطائرة!»، ورجعتُ بالطائرة إلى دلويني في غرفتنا القديمة في البيت.
وبقيتُ هناك بضع دقائق. ولكنّ الملل كان له رأيٌ آخر؛ لم أَصبر على المكث والانعزال وحدي، لا سيّما أنّ الأطفال في ذلك الوقت ما كانوا يعرفون شيئًا اسمه الانعزال أو الوحدة. ورجعتُ بالطائرة، وقرّرتُ أن أُعيد أعلى درجات العلاقات الدبلوماسية بيني وبينهما — بعد انقطاعٍ لم يَدُم سوى بضع دقائق. وفي ذلك اليوم تَناوب المشهدان بين إقامة العلاقات الدبلوماسية وقطعها عشراتِ المرات — حتى إنّ تلك الطائرة كان لها نصيبٌ من التحليق في ذلك اليوم لو سُجِّل، لمَا احتلّت أيُّ طائرةٍ أخرى في موسوعة جينيس للأرقام القياسية المركز الأول قبلها في مرات التحليق اليومي. 😂
نصيب الأسد
في ذلك الوقت كان للدمى وألعاب المحاكاة نصيبُ الأسد من ألعاب الأطفال — حتى بالنسبة للفقراء. أمّا الدمى فكلّكم تعرفونها. وأمّا ألعاب المحاكاة فهي — في حقيقتها — أن يُحاكي الأطفال واقع الكبار. والدمى نوعٌ من أنواع ألعاب المحاكاة. فهناك محاكاةٌ للأمومة والأبوّة، وهذا ما تَفعله البنات مع الدمى. وهناك محاكاةٌ للأدوار الوظيفية مثل الطبيب والطيّار والسائق، وهذه عادةً ما تَكون من خلال أنواعٍ من الطائرات والسيارات على اختلافها. ومن ألعاب المحاكاة التي كان يُمارسها الأطفال دائمًا: محاكاة عالم التجارة.

وعادةً ما كنّا نَعمد إلى المعلَّبات، فنَنزع أوراقها، ونَجعل تلك الأوراق على اعتبار أنها أوراقٌ نقدية. وكانت ورقة العلبة الصغيرة تُعادل مئة بيسة، وورقة العلبة الكبيرة تُعادل ريالًا، وهكذا. وكنّا نُحاكي عالم التجارة بكلّ تفاصيله؛ من بيعٍ وشراء، وقَرضٍ وتفاوض، وغير ذلك.
ماذا نتَج عن اختفاء الدمى وألعاب المحاكاة؟
أمّا اليوم فالحال غيرُ الحال. وعلى أَثر تَقلُّص اللعب الحقيقي بالدمى وألعاب المحاكاة، حصلتْ في أبنائنا ثلاث كوارث تربوية لا يَنتبه لها كثيرٌ من الآباء والأمهات إلا حين تَستفحل.
ضمور الحصيلة اللغوية
أوّلًا: ضَمُرَت الحصيلة اللغوية لكثيرٍ من الأطفال. فاللغة لا تَنمو إلا بالممارسة. وقد كانت الدمى وألعاب المحاكاة توفّر للأطفال بيئةً خصبةً لممارسة اللغة. فحتى مع اشتغال الآباء والأمهات والكبار المحيطين، فإنّ الأطفال يَجدون وقتًا طويلًا ليَلعبوا مع أقرانهم. وكانوا يُمارسون اللغة التي يَسمعونها من الكبار، ويُعيدون إنتاجها، ويُطوّرونها.
وقد أكّدت دراساتٌ معاصرة هذا المعنى الذي شهدنا أثرَه بأعيننا في مجتمعاتنا القديمة. فقد رصد Child Mind Institute أنّ الأطفال الذين يَنخرطون في ألعاب المحاكاة الإبداعية يَملكون مفرداتٍ أوسع، ومهاراتِ سرد قصصٍ أرفع من أقرانهم. فما عاينَّاه فطرةً.. أثبتَه العلم.
ضمور مهارات التواصل
ثانيًا: ضَمُرتْ مهارات التواصل الاجتماعي. فممارسة اللغة مع الآخرين هي التي تُؤدّي إلى تقوية مهارات التواصل الاجتماعي. وعندما لا يَكون هناك تواصل، فإنّ هذه المهارات — التي تَأتي من ممارسة عبارات السلام والشكر والثناء، ونحوِ ذلك ممّا ذكرناه في تدوينة «قول الحَسن للناس» — كثيرٌ منها بالنسبة للأطفال يَنشأ نتيجةَ ممارسة اللعب بالدمى والمحاكاة.
وقد نشرت المكتبة الوطنية للطب الأمريكية (PMC) دراسةً حديثةً عام 2026 على أطفالٍ من سنّ السنة إلى السادسة، تُؤكّد أنّ الأطفال الذين يَتجاوز وقت الشاشة عندهم ساعتين في اليوم تَتأخّر عندهم مهارات التواصل الاجتماعي واللغوية والحركية الدقيقة بنسبٍ كبيرة. وهذا في الحقيقة ليس أمرًا جديدًا على المربّين الأذكياء؛ فالطفل يَحتاج إلى أن يُمارس اللعب الجسدي مع أقرانه ليَنمو فيه ما لا تَستطيع الشاشة أن تَصنعه أبدًا.
استبدال اللعب الحقيقي بالخطر
ثالثًا — وهذا هو الأخطر — أنّ الحاجة الفطرية للطفل إلى اللعب جعلَتْه يَستعيض عن الدمى وألعاب المحاكاة بألعابٍ تُمثّل خطورةً كبيرة عليه؛ من مثل الألعاب الإلكترونية العنيفة، التي نتجَتْ عنها أمراضٌ خطيرة كالاكتئاب والرُّهاب الاجتماعي. بل وَصل الأمر إلى تَسجيل حالات انتحارٍ لأطفال في عددٍ من الدول. وما فتِئَت الأخبار تَأتينا بمثل هذه الأخبار بين وقتٍ وآخر.
ولِمَن أراد الاستزادة في هذه القضية الخطيرة، أَنصح بمشاهدة هذا العرض المهم على هذا الرابط: https://youtu.be/JLmJ6OfLSTw ففيه تَفصيلٌ يَكشف خطورة استبدال الألعاب الإلكترونية بألعاب الطفولة الحقيقية.
هل اختفت الدمى وألعاب المحاكاة؟
ولعلّ قائلًا يقول: إنّ كلامك متناقض. فأنت في أوّل القصة الطريفة ذكرتَ بأنّكم تَعيشون في عالم الفقر واليُتم، ولم تكن عندكم من الدمى وألعاب المحاكاة إلا ما تَبتكرونه بأنفسكم — حين تَنزعون الأوراق المحيطة بالمعلَّبات، وحين تُمثِّلون من خلال الحصى والطين والأحجار وغير ذلك. وفي الوقت ذاته تَنعى على عالم اليوم أنّ أطفاله ما عادوا يَلعبون بالدمى وألعاب المحاكاة! فهل اختفت هذه الألعاب؟
والجواب: أنها — من حيث عددُها وتَنوّعها ووجودُها — لم تَختفِ. بل إنها زادتْ أضعافًا مضاعفة. فالإحصاءات عن الدمى التي تُنتَج كلّ عام، وسوق ألعاب المحاكاة من سياراتٍ وطائراتٍ ومحاكِيات، وحتى دخلت الآن طائراتُ «الدرون» الصغيرة وغيرُها — تَقول هذه الإحصاءات إنها تَزيد عامًا بعد عام. فقد بلغَت قيمة سوق الألعاب العالمي وفقًا لتقرير The Toy Association نحو 111.8 مليار دولار في عام 2024، بنموٍّ سنويٍّ متراكم بلغ أربعة بالمئة. وقد قُدِّر قطاع الدمى والألعاب الخارجية وحدَه بأكثر من 40 مليار دولار في العام نفسه. فالألعاب لم تَختفِ.. بل صارت جبالًا!
ما الذي تغيَّر إذًا؟
الذي حصل أمران: أوّلهما داخليٌّ يَمسّ نفسية الطفل، وثانيهما خارجيٌّ يَمسّ بنية المجتمع.
الاستجاعة وكثرة الألعاب
أمّا الأوّل فهو ما يُسمّيه إمام البيان الجاحظ بـ«الاستجاعة». والاستجاعة — حين تَحدّث عنها الجاحظ — كان يَتحدّث عن الاستجاعة للكتب. فالذي يَبدأ بقراءة الكتب ويَجدها كثيرةً وفيرة — على خلاف ما حصل للجاحظ نفسه — يَنتُج عن ذلك أن يَتحوّل من طالب علمٍ يَبحث عن الكتاب الذي يَقرؤه إلى جمَّاعٍ يَجمع الكتب ولا يَقرأ منها شيئًا.
وهذا بالضبط ما حَدث للأطفال. فإنّ آباءهم وأمهاتهم يَذهبون معهم رُبما في كلّ أسبوعٍ مرة إلى مركزٍ من المراكز التجارية الكبيرة، ويَرون هناك من الدمى وألعاب المحاكاة صنوفًا كثيرة. فتَطلب البنت هذه الدمية، ويَطلب الولد في هذا الأسبوع هذه السيارة، وفي الأسبوع القادم يَشترون لعبةً أخرى. وبعد ذلك، لا تَكفّ الشركات المنتِجة للدمى وألعاب المحاكاة عن الإتيان بالجديد. وتَتراكم هذه الألعاب في الغرف، وتَتناثر تحت الأَسرّة وفي الممرّات. ولكن لا يَكاد يَنظر إليها أحد — كما أنّ الذين يَملكون كتبًا كثيرة لا يَكادون يَقرؤون منها شيئًا.
وهذه طبيعة الإنسان: فإنّ الذي لا يَجد إلا الشيءَ القليل، فإنه غالبًا ما يَستفيد منه. وهذا يُفسّر لنا لماذا خَرج كثيرٌ من العلماء والفقهاء في وقتٍ لم تَكن تَتوفّر فيه الكتب — والجواب لأنهم ما كانوا يَملكون تلك الكتب، فكانوا يَضطرّون إلى استعارتها من غيرهم، وهو يَعلم بأنه إن لم يَستفد من ذلك الكتاب فإنه سيَفقد فرصة الحصول على المعلومة إلى الأبد. وما زالت بعض المحاضر في بادية موريتانيا وبعضِ دول أفريقيا يَكتبون للطالب ما يَحفظه من القرآن أو من المتون على الألواح، فليست لديه فرصةٌ ليَقرأه ويَحفظه إلا مرّةً واحدة، ولذلك فهو حريصٌ على فعل ذلك.
وهذا ما كان يَحصل مع البنات عندما تَجد دميةً، أو مع الأولاد عندما يَجدون طائرة؛ فإنهم يُعاملونها على أنها أغلى من الذهب الإبريز. أمّا وأنّ الطفل يَجد من هذه الألعاب لعبةً جديدةً كلَّ أسبوع، أو على أقلّ تقديرٍ كلّ شهر، فإنه لا يَكترث بها — لأنّ كثرتها أَدخلتْه في دائرة الأمان من فقدانها متى ما طَلَبها.
التشظّي الاجتماعي والخصوصية
أمّا الأمر الثاني فهو التشظّي الاجتماعي والمبالَغة في الخصوصية. فعندما كنّا صغارًا، كانت بيوت القرية متداخلةً بشكلٍ كبير. وكان الأطفال يَعيشون مع بعضهم بعضًا في معظم أوقات النهار. وما كان الطفل يَعود إلى بيته إلا إذا طُلب بالقوّة وبكلّ عناصر التهديد. فكان الأطفال يَنتقلون معًا من بيتٍ إلى بيت، والمجتمع متقبِّلٌ لذلك كلَّ التقبُّل.
وفي إطار البيت الواحد، كانت البيوت صغيرة، فليس هناك فرصةٌ لأيّ فردٍ من أفراد البيت ليَقول: «هذه خصوصيتي». وحتى الشرعُ الشريف جَعل أوقات الخصوصية وإغلاق الأبواب على الوالدين في ثلاثة أوقاتٍ فقط من اليوم — قال الله سبحانه وتعالى في سورة النور:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنكُمْ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ مِّن قَبْلِ صَلَاةِ الْفَجْرِ وَحِينَ تَضَعُونَ ثِيَابَكُم مِّنَ الظَّهِيرَةِ وَمِن بَعْدِ صَلَاةِ الْعِشَاءِ ۚ ثَلَاثُ عَوْرَاتٍ لَّكُمْ ۚ لَيْسَ عَلَيْكُمْ وَلَا عَلَيْهِمْ جُنَاحٌ بَعْدَهُنَّ ۚ طَوَّافُونَ عَلَيْكُم بَعْضُكُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ﴾ [النور: 58]
أمّا في عالم اليوم، فقد انتشرت البيوت التي تَتمتّع بمساحاتٍ واسعة. وهذا جَعل كلَّ فردٍ من أفراد البيت — وعلى الأكثر كلَّ شخصين — يَطلبان الخصوصية في معظم الأوقات. فكلُّ واحدٍ منهم يَجلس في حالِه. ولذلك فإنّ الطفل عندما يَأتي ليَلعب، حتى إن وَجد تلك الألعاب من الدمى وغيرها، لا يَجد من يَجلس معه. فيَضطرّ للبحث عن الجليس الرقمي، فيَلجأ إلى شاشة الهاتف أو الجهاز اللوحي ليَلعب مع أشخاصٍ افتراضيين لا يَراهم — وهو يَتوهّم بأنه يَكسر وحدته بذلك.
الحلول العملية
ولكي لا يَطول الكلام في تَشخيص المرض، آنَ أن نَنتقل إلى الدواء. وقد رأيتُ — بعد طول تجربة — أنّ الحلول لا تَنفع إلا إذا انطلقتْ من جذورها. ولذلك سأَطرح أمامكم أربعةَ حلولٍ متدرّجة، يَنبني الواحد منها على ما قبله.
تغيير منطلق الشراء
أوّلًا: أن يُغيّر الآباء والأمّهات المنطلقات التي يَنطلقون منها لشراء الدمى وألعاب المحاكاة. ففي كثيرٍ من الأحيان يَفعلون ذلك الآن بسبب إلحاح الطفل، ورغبةً في أن لا يَجد طفلهم حرجًا عندما يَذهب مع أقرانه ويَتفاخرون بكثرة مقتنياتهم من الألعاب. فإذا تَغيّر المنطلق، وأَصبح: «إنني أَشتري هذه الدمى وألعاب المحاكاة لابنتي وولدي لأنها تُحقّق لهم عوائدَ تربويةً لا تَتحقّق بغيرها» — فإنّ الشراء سيكون مُختلفًا، والاختيار سيكون مُختلفًا، وأثرُه في نفس الطفل سيكون مُختلفًا.
رسم الفلسفة من بيت النبوّة
ثانيًا: أن نَرسم فلسفتنا في التعامل مع الدمى وألعاب المحاكاة من بيت النبوّة. فقد روى البخاريُّ في صحيحه عن السيدة عائشة رضي الله عنها قالت:
«كنتُ ألعَبُ بالبَناتِ عند النبي ﷺ، وكان لي صواحبُ يَلعبنَ معي، فكان رسولُ الله ﷺ إذا دخل يَتَقَمَّعنَ منه فيُسرِّبُهنَّ إليَّ فيَلعبنَ معي»
رواه البخاري في صحيحه
قال ابن حجر في فتح الباري: «واستُدِلّ بهذا الحديث على جواز اتّخاذ صور البنات واللُّعَب من أجل لعب البنات بهنّ، وخُصّ ذلك من عموم النهي عن اتّخاذ الصور. وبه جزَم عياض ونَقله عن الجمهور، وأنهم أجازوا بيع اللُّعَب للبنات لتَدريبهنّ من صِغرهنّ على أمر بيوتهنّ وأولادهنّ».

وهذا النصّ يَكشف لنا عن وعي علماء الأمّة بالهدف الرئيس من الدمى — وهو أن تَتدرّب الطفلة منذ صِغرها على أن تَكون في المستقبل أُمًّا وربّةَ بيت، تَعرف كيف تَتصرّف مع أبنائها، وكيف تُدير مملكتها.
ثم يُضيف الحافظ ابن حجر: «قال الخطّابي: في هذا الحديث أنّ اللعب بالبَنات ليس كالتلهّي بسائر الصور التي جاء فيها الوعيد، وإنّما أَرخص لعائشةَ فيها لأنها إذ ذاك كانت غير بالغ. قلتُ: وفي الجزم به نظر، لكنه محتمل؛ لأنّ عائشةَ كانت في غزوة خيبر بنتَ أربع عشرة سنة — إمّا أَكملتها أو جاوزتها أو قاربتها. وأمّا في غزوة تبوك فكانت قد بَلغَت قَطعًا، فيَترجّح روايةُ من قال «في خيبر»، ويُجمَع بما قال الخطّابي، لأنّ ذلك أَولى من التعارض». انتهى.
قلتُ: وهذا يَعني أنّ السيدة عائشة رضي الله تعالى عنها عندما كانت تَلعب بالدمى — لو كان في زمنها مدارسُ نظامية مثل المدارس التي في عالمنا اليوم — فستَكون في الصفّ الثامن أو التاسع. ولا يَغيب عن الأذهان أنها كانت زوجًا لرسول الله صلى الله عليه وسلم، تَحمل همَّ بيت النبوّة. وقد مضى على زواجها منه صلواتُ ربي وسلامُه عليه نحو خمس سنين. والجوُّ جوُّ معركة. وهذا كله يَكشف لنا عمقَ التوازن الدقيق بإعطاء كلّ عنصرٍ من عناصر الحياة حقَّه ومستحقَّه. وهذا ما يَجعلني أَكثرَ إلحاحًا على أنّ الخلاص في اعتبار كلِّ قِيَم خماسية السكينة في حياتنا اليومية: عبادة، وعلم، وعمل، ولعب، ونوم.
إظهار الاهتمام بعالم الطفل
ثالثًا: إظهار الاهتمام لأطفالنا بعالمهم البَريء بألعابهم. وهذا ما فعَلَه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مع السيدة عائشة رضي الله تعالى عنها. ففي الحديث السابق من رواية أبي داود:
«فهبَّت ريحٌ، فكَشفت ناحيةَ الستر عن بَناتٍ لعائشة لُعَب، فقال: «ما هذا يا عائشة؟». قالت: بَناتي. ورأى بينهنّ فرسًا له جناحان من رِقاع، فقال: «ما هذا الذي أَرى وسطهنّ؟». قالت: فرس. قال: «ما هذا الذي عليه؟». قالت: جناحان. قال: «فرسٌ له جناحان!». قالت: أمَا سمعتَ أنّ لسليمان خيلًا لها أجنحة؟ قالت: فضحك النبيّ ﷺ حتى رأيتُ نواجذَه»
رواه أبو داود
فأنتم تَرَون أنّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يَدخل على السيدة عائشة وهي زوجةٌ، وهو مشتغلٌ بأجواء المعركة. ومع ذلك سَأَلها السؤال الأوّل عن هذه الألعاب التي يَراها — وهو يَرى رأيَ العين بأنها دمى. ولكن سؤالَه «ما هذا؟» إنما هو ليُظهر الاهتمام. وبعد أن أَجابتْه كان بإمكانه أن يَذهب، ولكنه سأل أكثرَ تفصيلًا فقال: «ما هذا الذي أرى وسطهنّ؟»، فحدّد دميةً بعينها. فعندما أَجابتْه بأنه فرس، وكان له جناحان، سأل السؤال الثالث: «فرسٌ له جناحان؟». وبعد أن أَجابتْه السيدة عائشة بأنّ سليمان عليه الصلاة والسلام له فرسٌ له جناحان، لم يَنهَرها ولم يَذهب عنها، وإنما ضَحك حتى بَدَت نواجذُه صلواتُ ربي وسلامُه عليه.
وحتى تَكون المقابلة واضحة، دَعونا نَكشف لأنفسنا عن دواخلنا — خاصّةً نحن معاشرَ الرجال — فلو سألنا سائلٌ: متى كانت آخر مرّة شاركتَ ابنتك بسؤالها عن شيءٍ من ألعابها؟ فالجواب غالبًا بأني لا أَفعل ذلك، لأني مشغول، وأَعود من العمل مُرهَقًا. وهنا يَأتي السؤال: هل أَشغالنا أَشدُّ خطورةً من اشتغال الرسول ﷺ بأجواء المعركة وفِعل هذا مع زوجه؟ إنّ علينا إذًا أن نُعيد الاعتبار لهذه الحَيثيات، وسنَرى النتائج إن شاء الله تعالى.
فتح البيت للأطفال
رابعًا: أن يُبادر كلّ منّا بأن يَجعل من بيته كهفًا يَلجأ إليه أطفال الجيران، لا سيّما الأقارب منهم. فعندما يَشعر هؤلاء الأطفال بأنهم مرحَّبٌ بهم، يَدخلون إلى بيتي ويَلعبون مع أطفالي في الفناء الخارجي، أو في غرفةٍ مخصَّصة توجد فيها تلك الألعاب. ويَشعر أهلُهم بأنّ دخولهم إلى بيتي فيه قَدرٌ كبيرٌ من أمان الطفل، ومن مراعاة الخصوصية، ومن أنه لن يَتعرّض لأيّ شكلٍ من أشكال التنمُّر. فهذا يَجعل الأطفال يَعيشون طفولتهم. وهذا ما كانت تَفعله السيدة عائشة رضي الله تعالى عنها. ففي الحديث السابق برواية أخرى:
«عن عائشة قالت: كنتُ ألعَبُ بالبَنات، فربما دَخل عليَّ رسولُ الله ﷺ وعندي الجَواري، فإذا دَخل خَرجنَ، وإذا خَرج دَخلنَ»
رواه أبو داود
قصة دمية «علياء»
ولأنّ الله سبحانه وتعالى قد وهبَنا نعمةً من نعمه — بأن لا نَكتفي بالنقد، بل نُعطي البديل — فقد وُفِّقتُ لإنتاج دمية «علياء بنت حبيب» منذ أكثر من عشرة أعوام. وقد وَصفَتها الجزيرة في تقريرها بأنها أوّل دميةٍ عربيةٍ إسلامية تَحمل عناصر الجمال العربي بشَعرها الأسود الطويل وعيونها الواسعة، وأنها مرتبطةٌ بـخماسية السكينة التي يَستهدف غَرسها في نفوس الأطفال. وسأترك المجال للحديث عنها لموقع قناة الجزيرة. اقرأ التقرير كاملًا على هذا الرابط: تقرير الجزيرة عن دمية علياء.

نداء للدعاة التجّار
ما يَزال سوق العالم الإسلامي خاليًا تمامًا من التوجُّه نحو صناعة الدمى وألعاب المحاكاة، مكتفين باستيرادها — جاهزةً غالبًا — من الصين، ولكنها تَحمل سِماتِ المجتمعات الغربية. وما دمية «باربي» عنكم ببعيد. فهذه الدمية تَأتي على شكل: «باربي» الراقصة، و«باربي» المغنّية، و«باربي» الراهبة، وغير ذلك. وبناتنا يَلعبن بها.
أمّا ألعاب المحاكاة الأخرى، فهي متلبِّسة كذلك بكثيرٍ من المخالفات التربوية. ويَتعدّى الأمر أحيانًا إلى تَصنيعها من أنواعٍ رديئةٍ جدًّا من البلاستيك، ممّا يُؤثّر على صحّة الأطفال. فأين رجال الأعمال المسلمون من هذه الفُسحة الواسعة، التي تَجمع لهم بين تجارةٍ رابحة وأَجرٍ مديدٍ في الدنيا والآخرة؟
مسؤولية المدارس
إنّ على المدارس مسؤوليةً لا تَقلّ عن مسؤولية الآباء والأمهات ومسؤولية التجّار في إعادة الاعتبار للدمى وألعاب المحاكاة، من خلال تَحديد مواصفاتٍ دقيقةٍ لهذه الألعاب. ومن نِعَم الله سبحانه وتعالى علينا في مدرسة القارئ العبقري أنّ كلَّ عبقريٍّ من العباقرة يُعطى لعبةً بشكلٍ دوري نُسمّيها «التَّفاريح». وبحمد الله، جَعَلناها ممّا يُحقّق العوائدَ التربويةَ المنشودةَ لأبنائنا وبناتنا.

خلاصة
هكذا نَرى أنّ الدمى وألعاب المحاكاة — التي بَدأتْ معنا بطائرتين حمراوين تَحومان فوق رأس طفلٍ يتيم — هي في الحقيقة ركنٌ ركينٌ من أركان التربية، أَقرّه الله، وأَقرّه نبيُّه ﷺ، وعَرفه السلفُ من علمائنا، ثم أَهمَلَتْه بيوت المسلمين في زمن الكثرة والشاشات. والحلّ ليس في شراء المزيد. الحلّ في تَغيير المنطلق، وفي رَسم فلسفةٍ نبوية، وفي الجلوس مع الطفل، وفي فَتح أبواب البيوت.
فالطفلُ الذي تَلعب معه ابنتُك دميتها، والولدُ الذي تَفُكّ معه سيارتَه — هما طفلٌ تَدرّب على الأمومة وهو في الخامسة، وطفلٌ تَدرّب على البناء وهو في السادسة. ولا يُعقَل أن نَفقدهما في زمنٍ نَملك فيه من الوسائل ما لا يَملكه آباؤنا. والكتابُ يَدخل عقل الطفل، أمّا الدمية والمجسَّم فيَدخلان روحَه. فأيَّهما تَختارون له؟
هذه التدوينة جزء من سلسلة «٢٥ قيمة لا تُعلِّمها الكتب المدرسية لأبنائك» — اقرأ التدوينة الأم الشاملة على موقع مدرسة القارئ العبقري
▷ التدوينة القادمة: الألعاب الحركية — الجسد كمدخلٍ رابع للتعلُّم
بقلم: عبدالله بن عامر العيسري (أبو بلج)
المؤسس — مدرسة القارئ العبقري