الصحة النفسية للطفل بين البيت والمدرسة
قصة فقد، ويوم مدرسة أول، وكلمة أمان صنعت ذاكرة طفل
أولاً: اليتم المبكر
بين انتقال أبي ـ رحمه الله ـ إلى الرفيق الأعلى ودخولي الصف الأول الابتدائي ثلاث سنين، لم تكن كافية لتمسح عني مرارة اليتم، أو تلملّم شتات الجروح الغائرة في أعماق قلبي التي نكأها الفقد مبكراً. ثلاث سنين لا تكفي لطفل بدأ مدارجه في هذه الحياة للتو، طفل ما زال يحبو على عتبات الكلام، أن يستوعب حقيقة موحشة مفادها أنه لا يستطيع أن يقول أبي؛ تلك الكلمة التي بقيت حبيسة الحنجرة، غصةً كلما حاولت الخروج اصطدمت بجدار الغياب الأبدي.
وليت الرحيل كان فرداً، لكن الموت حين أغار على دارنا، اختار أن يقطف زهورها جملة واحدة؛ ففي ستة أشهر فقط، فقد بيتنا الصغير أربعة من أعمدته وأرواحه. كانت البداية حين انطفأ سراج جدتي ريا اخت جدي، وما لبثت الروح أن تعلقت بأذيال الوجع حتى لحق بها جدي بعد شهرين، وكأن الحزن استمرأ طرق بابنا، فبعد أربعة أشهر مات أبي، وتوجت الفجيعة مأساتها بعد ثلاثة أسابيع من رحيله، حين اختطف الردى ريحانة بيتنا أختي الرضيعة زيانة.
كانت الأيام تمر ثقيلة كالجبال، وما كان يخفف عني تلك الآلام إلا نشأتي في كنف بيت عجن طينه بالإيمان، وسقيت جدرانه بماء اليقين. كنت ألوذ بالصبر كلما عصفت بي الذكرى، وكلما مررت على قول الإمام السالمي رضي الله تعالى عنه:
حينها أتذكر أمي وعمتي ميا رحمه الله وأتذكر إخوتي، فأجد في وجوههم بقايا الضوء الذي تركه الراحلون. قضيت تلك السنين الثلاث في حدود قريتنا الوادعة، الساكنة على ضفاف الوادي، قرية الصباخ؛ تلك القرية التي كانت تمثل لي العالم بأسره، وما كنت أتجاوز شرنقتها الآمنة إلا نادراً حين أذهب لزيارة أعمامي محمد وأحمد في الحمرية في مسقط، حيث أمكث بضعة أيام أرقب صخب المدينة من بعيد، ثم أهرع عائداً إلى سكون الصباخ.
ثانياً: اليوم الأول في المدرسة
ثم أزف اليوم الموعود الذي سأنتقل فيه من حضن القرية إلى بيئة أخرى، بيئة غريبة وكبيرة جداً تسمى المدرسة. كانت مدرسة المتنبي بمبناها الذي يربض قرب البريد تبدو لي كقصر من قصص الأساطير؛ فيها ساحة واسعة، ولطفل مثلي نشأ في غرفة صغيرة مهترئة يختلط فيها الطين بالجص، كانت تلك المدرسة بأسوارها العالية وضجيجها تشبه مغارة مخيفة لا أدري ما تخبئه لي في جوفها.
دلفت من البوابة الكبيرة بخطوات متعثرة، واستقبلتنا الأستاذة روحية عمرو والأستاذة زمزم، وكنا نناديهما بتلك الكلمة التي وفدت إلينا من وراء الحدود (أبلَهْ). في ذلك اليوم الأول، كنت أسير بين رغبة ورهبة وبين إقدام وإحجام، تتنازعني مشاعر متناقضة، وكأنني امرؤ القيس في ملحمته حين وصف كره وفرّه:
وبعد تقسيمنا إلى فصلين، كان قدري أن أكون في الصف الأول باء مع الأستاذة روحية عمرو. جلست مع أربعة أطفال آخرين من القرية، حشرنا أنفسنا في كرسي واحد في أول الصفوف، قبالة الأستاذة مباشرة، وكأننا نحتمي ببعضنا من وحشة المكان.
قمت من مقعدي، وكنت يومئذ شاحباً، نزيلاً في جسد أضناه الشوق واليتم، حتى كأن المتنبي كان يقرأ غيبي حين قال:
انفرجت أساريري، وشعرت بدفء لم أعهده منذ فجيعة الفقد. ربما كانت تلك المرة الأولى التي أسمع فيها لقب يا شيخ، ورغم أنني اليوم أمقت استخدامها في غير موضعها، إلا أنها في ذلك الصباح كانت لذيذة في نفسي، لأنها منحتني صك الأمان، وأشعرتني أنني تحت كنف معلمة تعرف جذوري. هذا الاهتمام الإنساني جعلني أحفر اسمها في ذاكرتي بمداد من نور، ولعل من يرجع إلى حسابي في منصة إكس ويكتب أبو بلج ثم يكتب روحية، سيجد وفائي لها يفيض في تدويناتي، اعترافاً بجميل تلك المعلمة التي مسحت عن قلب اليتيم وعثاء الغربة في يومه الدراسي الأول.
ثالثاً: الصحة النفسية وخماسية النوم
وإنني لأرى في قصتي مع الأستاذة روحية مسك الختام لهذه التدوينات؛ فهي تجسد المفردة الأخيرة، والقيمة الأسمى في خماسية النوم؛ تلك الخماسية التي لا تكتمل إلا بتمام أركانها: ما قبل النوم، والنوم، وما بعد النوم، والغذاء، والصحة.
وإذا ما وقفنا عند الصحة، فإننا نجدها تنقسم إلى شطرين؛ أما الأول فهو الصحة الجسدية، وهي رزق مقسوم وقدر محتوم، لا نملك فيه من الأمر إلا الأسباب، فالله سبحانه يبتلي من شاء بما شاء، وإذا مرضت فهو يشفين. وكم من أطفال يئنون تحت وطأة الألم، يتردد بهم أهلوهم على ردهات المستشفيات، ولكن قدر الله دائماً هو الغالب والنافذ.
أما الشطر الثاني، وهو الذي يكاد يغيب عن بصائر معظم أولياء الأمور والمشتغلين في حقل التعليم، فهو الصحة النفسية؛ تلك الجوهرة المكنونة التي يصاغ معدنها في أغلب الأحيان من طريقة تعامل المحيطين بهذا الطفل. فكما رأيتم في ثنايا قصتي، لقد دلفت إلى المدرسة وأنا خائف متردد، يعتمل في قلبي الصغير عواصف من التوجس والرهبة، ولو أنني واجهت في تلك اللحظة الحرجة كائناً مرعباً أو معلماً فظاً غليظ القلب، لكانت النتيجة كارثية ولانطفأ في صدري سراج الطموح للأبد. وهذا الأمر عينه ينطبق على أطفال يقطنون بيوتاً يرجون فيها دفء الرحمة، فلا يلفح وجوههم إلا صقيع القسوة.
رابعاً: صيحة نذير
مصادر للاطلاع
خامساً: نموذج يعقوب في البيت والمدرسة
إن الطفل لكي ينمو بصحة نفسية سوية، يحتاج في كنف البيت إلى ظلال وارفة، يحتاج إلى شخصية تشبه شخصية يعقوب عليه الصلاة والسلام؛ ذلك الأب المبشر الذي لم يكسر جناح ولده، بل قال ليوسف عليه الصلاة والسلام:
فبهذه البشارات النبوية، والكلمات التي تسري في الروح سريان الضياء، يستوي الطفل على سوقه، ويشتد عوده مهما واجه من لاواء هذه الحياة ومشقتها، سواء كان فقراً أو مرضاً أو صروف ابتلاء.
وكذلك في المحراب الثاني، وهو المدرسة، يحتاج الطفل إلى معلمين ومعلمات ينسجون له من مشاعرهم دثاراً من الأمان، يشعرونهم بأنهم أسرة واحدة تنبض بقلب واحد، ينفخون في روعه روح الأمل ويغرسون في خياله بذور الطموح. ولا يغربنَّ عن بال المربين أن الكلمة التي ينطقها المعلم تفوق في ميزان التأثير أضعاف ما يسمعه الطفل في بيته؛ إن خيراً فخير وإن شراً فشر. فليتذكر كل معلم ذاك الأجر العظيم الذي ادخره الله لصاحب الكلمة الطيبة التي تبني ولا تهدم، وتجمع ولا تفرق:
فاجعلوا كلماتكم ثماراً يانعة، تقتطفها الأجيال، فتبقى ذكراكم في قلوبهم كذكرى روحية في قلبي، عطرةً لا تبليها السنون.
خاتمة
ولعل من المناسب أن نختم هذه التدوينة بأن نقول: إن هذه القيم التي قرأتموها هنا، كما ترون، مرتبطة آخذٌ بعضها بحُجز بعض؛ يسلم أولها لآخرها، ويرد آخرها لأولها، في تناغم بديع لا يقبل التجزئة.
وهي كلها، دون استثناء، تمتح من نور القرآن العظيم، ومن هدي سيد الأنام ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ؛ فمن وعاها وعمل بها، فقد أخذ بحظ وافر من أسباب السكينة في الدنيا، والسعادة في الدارين. فخذوها بقوة، تجدوا برد اليقين في صدوركم، ويذوقه معكم أبناؤكم وطلابكم، فتغدو بيوتنا ومدارسنا محاضن للرحمة وبناء الإنسان.
محبكم
أبو بلج عبدالله بن عامر العيسري
عصر الأربعاء
٢٥ من ذي القعدة ١٤٤٧ هـ