صناعة الأرواح وفلسفة العطاء السيّال
ملحمة "الرسالة" ومنعطفات الروح
استهلال: في محراب المربي الأول
ثمة مواقفُ في الحياة لا تمرُّ بساحة الذاكرة كعابر سبيل، بل تستوطن الوجدان وتضرب بجذورها في أعماق الهوية، لتصبح هي "النجم القطب" الذي يُهتدى به في ظلمات الحيرة. وإن من أعظم ما مَنَّ الله به عليَّ، تلك اللحظات الحكيمة التي كان ينسجها شيخنا المربي التقي، سعيد بن عبد الله بن غابش —رحمه الله تعالى— وهو يعالجُ النفوس قبل الأخطاء، ويسقي العقول بماء التوجيه قبل المتون. كان الشيخ —قدس الله روحه— بستاناً من الحكمة، لا يرى في تلميذه مجرد وعاءٍ للعلم، بل يراه شعلةً تحتاج إلى من يوري زندها. في هذه السطور، أسردُ عليكم نبأ رحلةٍ بدأت بورقة، وانتهت بفتحٍ مبين؛ رحلةٌ هي تجسيدٌ حيٌّ لمعنى "التطوع" حين يتجاوز حدود المال ليصبح سرياناً في الروح والوقت والجهد، مستلهماً من التراث العماني الأصيل صوراً من العطاء الذي يغطي حياة الإنسان من المهد إلى اللحد.
الفصل الأول: العقدة المباغتة.. التكليف الغريب
بدأت فصول القصة في يومٍ لم يكن كغيره. كنتُ حينها غصناً غضاً في الصف الثالث الإعدادي (التاسع حالياً)، وكانت علاقتي بالشيخ علاقة المريد بقطب الرحى. ناداني الشيخ —على خلاف عادته— في وقتٍ لم يكن وقت درسٍ أو مذاكرة. لم يسألني عن "إعراب" أو "شعر"، بل ناولني رزمة من الأوراق، يفوح منها عطر الجد، وعليها خطُّ يده الذي يفيض هيبةً ووقاراً. كانت رسالةً ألفها ووسمها بـ "الترغيب والترهيب في الصلاة". ثم ألقى عليَّ بكلمات كانت بمثابة الزلزال الذي خلخل سكوني: "يا عبد الله، خذ هذه الأوراق.. اقرأها، وانسخها، وأطلع عليها زملاءك".
لماذا أنا؟ ولماذا هذه المهام الثلاث؟ انقبض قلبي بوجلٍ لذيذ، وشعرتُ أنني أمام "أمانةٍ" تشتدُّ بها الظهور. كانت "العقدة الأولى" قد أُحكمت؛ فالشيخ خالف عادته في تسليم رسائله، وخصني أنا بها. هل هو اختبارٌ لمعدن الهمة؟ أم هو نداءٌ مبطن يقول لي: "خذ الكتاب بقوة"؟
الفصل الثاني: اشتداد العقدة.. معضلة "الريال" واليتيم
عدتُ إلى الدار، والتهمتُ الأوراق قراءةً وتملياً، فكانت "المهمة الأولى" هي الأيسر، إذ فهمتُ أن الشيخ —رحمه الله— لمح في صلاتي تقصيراً، فأراد مداواتي بنصيحةٍ مغلفة بوشاح التكليف. ولكن، ماذا عن "المهمة الثانية"؟ إن من ينظر إلى عصرنا اليوم، يرى "النسخ" كشهيقٍ وزفير. أما في ذلك الزمن الغابر، فكان نسخ الورقة الواحدة يكلف "١٠٠ بيسة". والرسالة تربو على عشر صفحات، أي أن النسخة الواحدة تكلف ريالاً كاملاً.
تخيلوا حال طالبٍ يتيم، في مرحلةٍ دراسية، يطالَب بتوفير مبلغٍ يفوق طاقته ليحقق رغبة شيخه. كان الريال آنذاك "جبلاً شامخاً" يصعب تسلقه. كنتُ أمام مفترق طرق: إما أن أنكص على عقبي معتذراً بفقر الحال، وإما أن أستفرغ الوسع في "تطوعٍ مركب" يستدعي مني الذكاء قبل الجهد. فكيف ليتيمٍ أن يطبع ستين نسخة —كما طمح قلبي لاحقاً— وهو لا يملك ثمن نسخةٍ واحدة؟
الفصل الثالث: رحلة البحث عن "الفتح المبين"
يممتُ وجهي شطر مكتب الوالد الرضي محمد بن حمدون الطوقي —رحمه الله— فقد كان من القلائل الذين يمتلكون أدوات الطباعة. وحين وقعت عيناه على أوراق الشيخ ابن غابش، حدث ما لم يكن في الحسبان؛ إذ أمر بطباعة نسخٍ منها "تطوعاً لوجه الله". لقد انفرجت حلقةٌ من السلسلة، ولكن "العقدة الكبرى" كانت لا تزال قائمة: كيف سأصل بهذه الرسالة إلى كل "محراب" في إبراء؟
ذهبتُ إلى المدرسة، وعرضتُ الأمر على صديقي محمد بن عبيد المسكري. هدانا التفكير إلى فكرةٍ جريئة: أن نوزع الرسالة على عدد مساجد إبراء كافة. استأذنتُ مدير المدرسة بأن أذهب راجلاً إلى مكتب الأوقاف بالعلاية. قابلتُ مدير الأوقاف، وسألته: "كم عدد مساجد إبراء؟". فأخبرني أنها تناهز الستين مسجداً. عرضتُ عليه رغبتنا، فبارك الأمر. رجعتُ إلى المدرسة بقلبٍ يرفرف، ولكنني اصطدمتُ بالواقع المر: من أين نمول ستين نسخة؟ فالتكلفة تصل إلى ستين ريالاً، وهو مبلغٌ خيالي.
الفصل الرابع: ملحمة تطوع الصف.. وتحدي الاستنسل
طرحنا الأمر على طلاب الصف بعد استئذان مربي الفصل. ويا لروعة المشهد! هبَّ الطلاب هبة رجلٍ واحد، وتطوعوا بما رزقهم الله من أموال. اجتمع قدرٌ من المال، ولكنه —بكل أسى— لم يكن يكفي للستين نسخة. لجأتُ إلى مدير المدرسة، الأستاذ لافي عيسى عوض الله، صاحب البصمة في الخطابة والتأليف. طرحتُ عليه المعضلة، ففتح لي باباً جديداً: "الطباعة بورق الاستنسل". كانت هذه الوسيلة أرخص كلفة، لكن برز تحديان: من يكتب على الاستنسل بمهارة؟ ومن أين نأتي بالآلة؟
استدعى المدير المنسق، الأستاذ شوقي، وكان رجلاً حسن الخط، حروفه كأنها اللؤلؤ المنضود. وافق ببريق في عينيه، وبدأ يكتب بأنامل "جراح"؛ إذ إن الكتابة على الاستنسل تتطلب ألا تلمس اليد الورقة لئلا تفسد المسام. ثم أذن لي الأستاذ لافي بالذهاب إلى "إدارة التربية". قابلتُ الأستاذ عبد الله السالمي، وبشهامةٍ معهودة، تطوعت الإدارة بالطباعة على آلتهم، شريطة أن نتكفل بالأحبار. نقَدتهم الثمن الذي جمعه الطلاب، وبدأت الآلات تدور.
الفصل الخامس: فلسفة "خماسية السكينة" في العمل التطوعي
إن هذه القصة ليست مجرد ذكرى، بل هي "التأصيل العملي" لقيمٍ كبرى. فالعمل التطوعي في مجتمعنا ليس "فائضاً" عن الحاجة، بل هو "جوهر" الحياة. ودعونا نسقطه على قيمنا التي نؤمن بها:
الفصل السادس: الوقف.. العبقريّة الإسلاميّة في استدامة العطاء
الفصل السابع: كيف نغرس "الربانية" في أطفالنا؟
والرباني هو الذي يعلم الناس صغار العلم قبل كباره. إن تعليم التطوع لأطفالنا يجب أن يكون وفق "منهجية الخماسية" بالتنسيق مع المدارس وأولياء الأمور:
الخاتمة: فك العقدة الأخيرة.. سر "ابن غابش"
الآن، نعود لفك العقدة الأخيرة. لماذا كلفني الشيخ ابن غابش —أنا الفتى الصغير اليتيم— بتلك المهمة المستحيلة؟ ولماذا خالف عادته؟
لقد أدركتُ بعد أربعين عاماً أن الشيخ لم يكن يريد "توزيع الرسالة" فحسب؛ فلو أراد ذلك، لكان الوالد محمد بن حمود كفيلاً بها في دقائق. إنما كان الشيخ يمارس "التربية بالحدث". كان يريد أن يصهرني في أتون المسؤولية، ويجعلني أختبر "لذة العطاء" وسط "مرارة الكلفة". لقد أراد أن يعلمني أن "البيان" بلا "تطوع" هو جسدٌ بلا روح، وأن الكلمة التي لا تخدم الناس هي صرخةٌ في واد.
نحن اليوم نعيش آثار تلك الرسالة، لنعلم أن "العمل التطوعي" هو الصدقة الجارية التي لا تنقطع. وكما قال حاتم الطائي في كرم العطاء:
نعم، يذهب المال، وتبقى "أحاديث العطاء" هي التي تبني الأمم. لقد استلمتُ النسخ الستين في ذلك اليوم، ولم تكن مجرد أوراق، بل كانت "وليدي الأول" الذي أبصر النور بعد مخاضٍ عسير. وبعد مداولات، قرر الطلاب أن يكونوا شركاء في الأجر، فتطوع كلٌ منهم بإيصال نسخةٍ للمسجد الأقرب إلى بيته. وهكذا، في ليلةٍ واحدة، كانت رسالة ابن غابش قد استوطنت كل منبرٍ ومحراب في إبراء. لقد حُلت العقدة، وانتهى اللغز، وبقي الأثر نابضاً لأكثر من أربعين عاماً. عسى أن يكون هذا المداد مقبولاً عند رب العالمين، وصلاةً وسلاماً على سيد المتطوعين، وعلى آله وصحبه الكرام.
أبو بلج
محبكم ومريد الحكمة.