الإحسان – كيف نُعلِّم أطفالنا أن يُحسنوا إلى كل شيء؟

كتبها أبو بلج عبدالله العيسري

مؤسس مدرسة القارئ العبقري

جدول المحتويات

الإحسان

كيف نُعلِّم أطفالنا أن يُحسنوا إلى كل شيء؟

سلسلة: ٢٥ قيمة لا تُعلِّمها الكتب المدرسية لأبنائك — التدوينة ٦ من محور العبادة، الجولة الثانية.

قصة الثلاجة الخاوية

هذه القصة الحزينة والمؤلمة سمعتها من صاحبتها مباشرة، وهي حكاية تلخص واقعاً مجتمعياً نعيشه في زحام الحياة المعاصرة، وتعكس مدى غفلتنا عن أقرب الناس إلينا في عصر الماديات.

تقول صاحبة القصة بأسى وحسرة: كانت لي إحدى قريباتي تسكن بيننا في الحي ذاته، وكانت بيوتنا محيطة ببيتها إحاطة السوار بالمعصم، متقاربة في البنيان ومتلاصقة في الجدران. وما كان بيتها يظهر متهالكاً أو فقيراً من الخارج حتى يظن ظان أن من يسكنه يعاني الأمرين أو يكابد شظف العيش وقسوة الأيام.

وكنت كعادتي التي جبلت عليها، أزورها بين الفينة والفينة، أختلس الفرص الثمينة من بين أعمالي المتراكمة ومشاغلي الأسرية حتى أزورها وأطمئن على حالها. وذات ضحى مشمس، دخلت بيتها، وعندما جلست في بهو الدار، طلبت منها أن أشرب ماء أروي به ظمئي الشديد من حر الصيف اللاهب الذي يلفح الوجوه. فقالت لي بصوت خافت: قنينة الماء في الثلاجة.

وعندما توجهت بخطواتي وفتحت باب الثلاجة، تسمرت في مكاني وعقدت الدهشة لساني! لم أجد في تلك الثلاجة الكبيرة سوى قنينة الماء وحدها تقبع في زاوية مظلمة. لا فاكهة ولا خضروات ولا ما لذ وطاب مما اعتاد الناس على أن يملأوا به ثلاجاتهم ليتقوا به حرارة الجو، لا سيما في ذلك الحر الصائف الشديد.

تقول صاحبة القصة: وعندما رأيت ذلك المنظر البائس، امتدت يدي المرتجفة لأفتح الجزء العلوي من الثلاجة، وهو المكان الذي توضع فيه اللحوم والأسماك عادة، فوجدتها أشد فراغاً ويباساً من الجزء الأسفل. فالجزء الأسفل على الأقل فيه قنينة ماء، أما ذلك الجزء العلوي فهو أشبه ما يكون بالأرض اليباب القاحلة التي لا ماء فيها ولا شجر ولا حياة.

فهلني الموقف العظيم، واعتصر الألم قلبي، وتجرأت رغم خجلي فسألتها بصوت يملؤه الاستغراب: يا خالة، هل عندكم ثلاجة أخرى غير هذه الثلاجة لدرجة أنكم لا تضعون فيها سوى الماء؟ فكان صمتها المطبق أبلغ جواب عن سؤالي الحائر. فلما طال صمتها وساد السكون أرجاء الغرفة، رأيت أن أردف بسؤال آخر علني أجد مخرجاً: منذ متى وأنت على هذا الحال الصعب؟ ولكن إصرارها العجيب على الصمت كان يعني بوضوح أن الواقع المرير الذي تعيشه أكبر من أن يوصف بالكلمات أو تحيط به العبارات.

تقول صاحبة القصة: فخرجت من بيتها أجر أذيال الخيبة والندامة، وفي قلبي نار متقدة من الألم ومن الحسرة على ما فرطنا في حق أهلنا. أين سأذهب أنا والمحيطون بي من سؤال الله سبحانه وتعالى يوم العرض الأكبر؟ أين سنذهب عندما نُسأل يوم القيامة عن الإحسان لذوي القربى والجيران؟ أين سيكون محلنا ومكاننا عندما يقال لنا: فهل عسيتم إن توليتم أن تفسدوا في الأرض وتقطعوا أرحامكم؟ هل من فارق حقيقي بيننا وبين المفسدين في الأرض؟ إنه لا فارق البتة على هذا الواقع الأليم، لأن الله سبحانه وتعالى ما جمعهما في آية واحدة إلا لعلة عظيمة وحكمة بالغة.

الإحسان في نظم القرآن

وعندما أخبرتني صاحبة القصة بهذا الموقف الحزين الذي يدمي القلوب، ذكرت قول الله سبحانه وتعالى في محكم التنزيل:

﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لَا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَذِي الْقُرْبَىٰ وَالْيَتَامَىٰ وَالْمَسَاكِينِ وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾

فقلت في نفسي متأملاً هذا النظم القرآني المعجز: لحكمة عظيمة جليلة، قدم الله سبحانه وتعالى الإحسان والقول الحسن على إقام الصلاة وإيتاء الزكاة، ليدلنا على أن بناء الإنسان ومراعاة حقوق العباد هي حجر الزاوية في بناء المجتمعات المتماسكة.

كيف كنا وكيف أصبحنا؟

وهذه الحادثة تجرنا لنتأمل كيف كنا وكيف أصبحنا. في قريتنا القديمة الوادعة، كان الطفل إذا مرّ على بيت جدته لا يمكن أن يمرّ من دون أن يدخل. يدفع الباب الخشبي العتيق ويقول بصوته الطفولي البريء: السلام عليكم يا جدتي. فتردّ عليه بحنان بالغ وهي جالسة في ثنيّ البيت وزواياه الدافئة: وعليكم السلام يا حبيبي، تعال اشرب قهوة. فيجلس عندها دقائق معدودات، يشمّ خلالها رائحة البخور واللبان العطرة، ويسمع حكاية أو حكايتين من حكايات الماضي الجميل، ثم يذهب في طريقه آمناً مطمئناً.

في تلك الأيام الخوالي، لم يكن أحد يقول لذلك الطفل الصغير: أحسِن إلى جدتك، بل كان يُحسن بتلقائية وعفوية من دون أن يعرف أن ما يفعله يسمى في قواميس اللغة والأخلاق إحساناً. والسبب في ذلك أن الإحسان كان مبثوثاً في الهواء الذي يتنفسه الجميع، في الحارة المتراصة التي يعيش فيها كل الأفراد، الجدّ والجدة والعمّ والعمة والخال والخالة وأبناؤهم، كلهم يسكنون على بُعد خطوات يسيرة من بعضهم البعض.

ولكن ذلك الزمان الجميل قد تغيّر وتبدلت أحواله. لقد شتت المدنية الحديثة شمل الأسر، فأصبح الجدّ يسكن في القرية الهادئة، والابن يعمل ويستقر في العاصمة المزدحمة، والعمّ ارتحل إلى مدينة ثانية، والخالة هاجرت إلى بلد آخر. والطفل الصغير الذي كان يمرّ على بيت جدته كل يوم في الماضي، صار للأسف الشديد لا يراها إلا في العيدين. ومع مرور الأيام وزيادة المشاغل، صار لا يراها إلا مرة واحدة في السنة، ثم انتهى به المطاف إلى أنه صار لا يعرف وجهها ولا يتذكر ملامحها.

وها نحن اليوم نقف أمام تحدي التربية الصعب لنسأل: كيف نُعلّم أطفالنا الإحسان في ظل هذا التباعد الجغرافي والاجتماعي؟ والجواب الشافي نجده حاضراً في الآية القرآنية الكريمة التي جمعت بين العبادة الخالصة والإحسان الشامل في ميثاق إلهي واحد:

﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لَا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَذِي الْقُرْبَىٰ وَالْيَتَامَىٰ وَالْمَسَاكِينِ﴾ [البقرة: ٨٣]

ومن أجل تحقيق هذا الهدف التربوي النبيل وبناء شخصية الطفل المسلم، هناك ثلاثة أسئلة محورية ينبغي أن نُجيب عنها أولًا وبكل وضوح.

السؤال الأول: ما معنى الإحسان؟

الإحسان في جوهره الأصيل يعني أن نتعامل مع الطرف الآخر بأحسن طريقة يحبها هو ويفضلها.

لا يجب أن نتعامل بأحسن طريقة نراها نحن حسنة ومناسبة من وجهة نظرنا، بل يجب أن نتعامل بالطريقة التي يحبها ويتمناها المُحسَن إليه. وبين الأمرين بونٌ واسع ومسافة شاسعة في الفهم والتطبيق.

فقد يُرسل ابنٌ غني لأمه هدية ثمينة وباهظة الثمن، وهي في قرارة نفسها لا تريد هديةً مادية، إنما تريد فقط أن ترى وجهه وتستأنس بحديثه الدافئ. وقد يتصل رجل مشغول بأبيه كل يوم عبر الهاتف ليؤدي واجب السؤال، بينما أبوه العجوز يريد منه أن يطرق بابه فعلياً، ويجلس معه على الأرض، ويشرب قهوته ويتجاذب معه أطراف الحديث.

فالإحسان الحقيقي، الذي نهدف لغرسه في نفوس الناشئة، يبدأ بسؤال عميق: ماذا يحب هذا الذي أمامي؟ ثم يُقدَّم له ما يحب ويرضى، لا ما هو أسهل عليّ أنا تنفيذه.

السؤال الثاني: الإحسان لمن يُقدَّم؟

لقد ذكرت الآية الكريمة أربع فئات مستحقة، ولكن القرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة وسّعا الدائرة لتشمل خمس دوائر متكاملة من التكافل الاجتماعي والبيئي:

الدائرة الأولى

الوالدان

وهما أحقّ الناس جميعاً بالإحسان المطلق، مصداقاً لقوله تعالى: ﴿وَقَضَىٰ رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ [الإسراء: ٢٣]. لا توجد أي مجاملة في هذا الميدان ولا مساغ لأي تأويل، فالوالدان يأتيان أولًا وقبل كل شيء في هرم الأولويات.

الدائرة الثانية

الأقربون

وهم كل إنسان يتصل بالمرء بنسب من جهة أبيه وأمه، ويشمل ذلك: الأجداد والجدات وإن علوا في النسب، والأبناء والبنات وإن نزلوا، والإخوة والأخوات وأبناؤهم، والأعمام والعمات وأبناؤهم، والأخوال والخالات وأبناؤهم، وتمتد هذه الشبكة العظيمة حتى الدرجة الرابعة والخامسة.

بناءً على ذلك، فابن ابن عمك يعد من ذوي قرباك، وبنت خالة أمك تعد أيضاً من ذوي قرباك. والشريعة الإسلامية الغراء لم تقصر مفهوم القرابة على الدرجة الأولى المباشرة، بل وسّعتها بحكمة بالغة لتشمل كل من تجمعك به رحم، تعزيزاً للتلاحم الأسري.

الدائرة الثالثة

الناس جميعاً

وتتسع هذه الدائرة لتشمل الجيران واليتامى والمساكين والمعلم والصاحب والضيف وابن السبيل، استجابة للأمر الإلهي: ﴿وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا﴾ [البقرة: ٨٣].

الدائرة الرابعة

الحيوان

فالإحسان لا يقتصر على البشر، بل قال النبي صلى الله عليه وسلم مؤكداً هذا الشمول: «إنَّ اللهَ كَتَبَ الإحسانَ على كلِّ شيءٍ، فإذا قَتَلتُم فأحسِنوا القِتلةَ، وإذا ذَبَحتُم فأحسِنوا الذِّبحةَ» ـــ كما رواه الإمام مسلم.

الدائرة الخامسة

الأرض ومن عليها

وتتضمن هذه الدائرة البيئية الكبرى الشجر والنهر والجبل والبحر، وكل مفردات الطبيعة. ومن أخلّ بقيمة الإحسان في هذه الدائرة، فقد دخل والعياذ بالله في وصف من قال الله عز وجل فيه: ﴿وَإِذَا تَوَلَّىٰ سَعَىٰ فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ﴾ [البقرة: ٢٠٥].

السؤال الثالث: ما الإشكالات التربوية التي تواجهنا اليوم؟

١

الإحسان مفهوم مجرّد ومعنوي

والطفل الصغير في الرابعة أو الخامسة من عمره لا يستطيع أن يفهم المجرّدات المعقدة. فكلمة «إحسان» بحد ذاتها لا تعني شيئًا في ذهنه الغض حتى يراها تتحول إلى فعل ملموس وممارسة حية أمام عينيه، أو يفعلها هو بنفسه وبيديه الصغيرتين.

٢

الجغرافيا السكانية تغيّرت وتوسعت

في زمان آبائنا وأجدادنا، كان الأقربون يسكنون في رقعة جغرافية واحدة، سواء كانت الحارة ذاتها أو القرية ذاتها، فكان الإحسان إليهم والتواصل معهم جزءًا طبيعياً من الحياة اليومية. أما اليوم، فقد تبعثر الأقربون وتفرقوا في مدن مختلفة، وأحيانًا في بلدان مختلفة ومتباعدة تفصل بينها المسافات الشاسعة.

وهذا التغير لا يعني أبداً أننا مُعفَون من واجب الزيارة، بل يعني بشكل قاطع أن علينا أن نُخطّط للزيارة ونرتب لها بدلًا من أن ننتظرها لتأتي وحدها كما كان يحدث في الماضي.

٣

سيطرة ثقافة الاستهلاك

إن الطفل في عالم اليوم محاط بآلاف المحرّضات والمغريات التي تدفعه باستمرار إلى ثقافة الأخذ لا إلى ثقافة العطاء. كل إعلان تجاري يشاهده يقول له بوضوح: خذ واشتر واستهلك.

فحين نحاول أن نُعلّمه قيمة الإحسان والبذل، فإننا في الحقيقة نُجاهد تيارًا مادياً كاملًا يعاكس فطرة البذل، وهذا التحدي يستوجب منا أن نُحوّل الإحسان إلى ممارسة يومية مستمرة لا مجرد درس أسبوعي نظري.

الأصل الزيارة.. والهاتف وسيلة لا بديل

قبل أن نتحدث بتفصيل عن دور المدرسة ودور البيت في التنشئة الاجتماعية، لا بد أن نُثبّت أصلًا تربوياً متيناً واحدًا: الزيارة الميدانية المباشرة هي الأصل في الإحسان إلى الأقربين وصلة الرحم. لا الاتصال الهاتفي، ولا الرسائل النصية المكتوبة، ولا حتى مكالمات الفيديو المتطورة يمكن أن تحل محلها.

هذه التقنيات كلها وسائل مُعينة نلجأ إليها فقط حين يتعذّر اللقاء المباشر، لكنها حتماً لا تمثل بدائل عنه. والطفل الذي يراقب والده وهو يقود السيارة لمدة ساعتين كاملتين متحملاً مشقة الطريق ليصل إلى بيت جدّه في القرية، يتعلم من هذه الساعتين دروساً في القيم ما لا يتعلمه من ألف مكالمة هاتفية سريعة.

لأنه يرى بعينيه أن الإحسان يستحق البذل والجهد والتعب، ومن أحسن من دون أن يبذل جهداً فإحسانه يبقى ناقصاً. وحين يتعذّر اللقاء حقًا وصِدقاً، إما بسبب سفر بعيد أو مرض عارض أو بُعد شديد، عندها فقط يأتي دور الاتصال المرئي والصوتي كوسيلة مؤقتة للحفاظ على حبل الود، على أن يكون الطفل نفسه هو من يُمسك الهاتف ويتحدث مع أقاربه لا الأب ولا الأم. ليتعلم أن يسأل بنفسه وبكل اهتمام: كيف حالك يا جدتي؟ هل تحتاجين شيئًا؟

التجمعات العائلية ـــ إحياء تقليد مفقود

من أنجع الوسائل التربوية والاجتماعية لتعويض هذا التباعد الجغرافي الحديث، أن تُنظَّم تجمعات دورية منتظمة لأبناء الأسرة الكبيرة، وذلك في غير أيام الأعياد الرسمية. كأن يتم التجمع مرة كل شهرين أو ثلاثة أشهر في استراحة هادئة، أو في رحلة إلى البَرّ، أو في بيت أحد الأعمام ليكون مقراً للاجتماع.

في هذه التجمعات، يجتمع الأجداد والآباء والأبناء والأحفاد، يأكلون معًا على مائدة واحدة، ويتحدثون في شؤون حياتهم، ويلعب الأطفال بمرح مع أبناء أعمامهم وأبناء أخوالهم في ساحات مفتوحة. هذا اللقاء الحميم يصنع في نفس الطفل رابطة وجدانية قوية مع أقاربه لا يصنعها أي شيء آخر.

ومن كان يسكن في العاصمة المزدحمة وأقاربه يقطنون خارجها، فليُنظّم لهم زيارة كل شهرين أو ثلاثة، ولو كانت ليوم واحد فقط، يأخذ فيها أبناءه ليُريهم بيت الجد القديم وتفاصيله، وسكك القرية الضيقة، ومسجدها العتيق، وفلجها الجاري الذي يروي البساتين. وهذه الزيارات القليلة ولكنها المنتظمة، هي عند الله وفي أثرها النفسي خير وأبقى من الزيارة الواحدة الخاطفة في السنة التي تأتي كالبرق الخاطف وتذهب سريعاً دون أن تترك أثراً عميقاً.

كيف تُساعد المدرسة في ترسيخ الإحسان في نفوس الطلاب؟

١

جداول المتابعة المشتركة مع الأسرة

تُعدّ المدرسة من جانبها جدولًا شهريًا مخصصاً للقيم يُرسَل للوالدين ليكون ضمن الواجبات المنزلية الأساسية، ولكنه لا يتضمن واجبات كتابية، بل واجبات إحسان عملية. من ضمن بنود هذا الجدول: أن يُطلب من الطفل أن يزور أحد أقاربه خلال هذا الأسبوع في بيته، ويُسلّم عليه بحرارة، ويأخذ له هدية بسيطة يختارها بعناية بمساعدة والديه.

ويُسجَّل اسم القريب الذي زاره في الجدول ويعود هذا الجدول موثقاً إلى المعلمة في الفصل. هذا الجدول التفاعلي يجعل من الإحسان واجبًا يومياً مثل واجب الرياضيات تماماً، لكنه في جوهره واجب يبني روح الإنسان وأخلاقه لا صفحات الدفتر.

٢

حصة «قصة إحسان» الأسبوعية

تُخصص المدرسة حصة واحدة في الأسبوع يحكي فيها كل طفل بأسلوبه الخاص ما فعله من أفعال إحسان خلال أيامه الماضية. كأن يقول أحدهم: زرت جدتي المريضة وحملت لها سلة فاكهة طازجة. أو يقول آخر: ساعدت أختي الصغيرة في ربط حذائها قبل الخروج. أو: سقيت قطة الحي العطشى، أو سلّمت باحترام على جارنا العجوز حين رأيته يتهادى في طريقه إلى المسجد.

والبقية في الفصل يستمعون بشغف ويتعلمون من أقرانهم أن الإحسان ليس عملًا خارقًا للعادة أو مستحيلاً، بل هو عبارة عن أفعال صغيرة يومية تتراكم لتصنع مجتمعاً متراحماً.

٣

تبنّي كائن حي في بيئة الفصل

تقوم فكرة هذا النشاط على إحضار نبتة صغيرة أو طائر مغرد أو سمكة زينة إلى الفصل، ليعتني به الأطفال بالتناوب وفق جدول محدد. والطفل الصغير الذي يتعلم باكرًا أن يُحسن إلى كائن أضعف وأصغر منه، فإنه يكبر وتكبر معه في قلبه رحمة عظيمة لا تُشترى بكنوز الدنيا ومالها.

٤

تفعيل لوحة «إحسان اليوم»

يتم تعليق لوحة بارزة في ركن الفصل، يُكتب عليها كل صباح إشراقة جديدة عبارة عن بطاقة قصيرة تحكي عن موقف إحسان عظيم من سيرة النبي صلى الله عليه وسلم، أو من سِيَر الصحابة الكرام والصالحين، وتُكتفى ببطاقة واحدة في اليوم لا أكثر لضمان التركيز.

وبعد مرور شهر كامل، يكون الطفل قد عاش وتأمل ثلاثين قصة إحسان ترسّخت جذورها في وجدانه العميق، بشكل بطيء ومتقطّع، تماماً كما يعمل المطر الخفيف في إحياء الأرض الميتة.

٥

الإحسان إلى الأرض والبيئة

يتم تنظيم حملة نظافة شهرية يشارك فيها الطلاب لتنظيف ساحة المدرسة أو الحي المجاور لها، يجمع فيها الأطفال بأيديهم ما تركه الناس من أذى ومخلفات. ويقومون بسقي النباتات العطشى ويعتنون بشجر الفناء المدرسي.

من خلال ذلك يتعلمون درساً بليغاً أن من قطع شجرة مثمرة بلا ضرورة ملحة، أو لوّث مجرى ماء عذب، أو أسرف بغير وعي في استهلاك الكهرباء، فقد أخلّ إخلالاً جسيماً بالإحسان إلى الأرض العظيمة التي استخلفه الله سبحانه وتعالى فيها ليعمرها لا ليدمرها.

كيف يُطبَّق الإحسان عملياً في البيت؟

الوالدان أولاً ـــ والقدوة الحية قبل الكلام النظري

يجب أن ندرك أن الطفل لا يُحسن إلى والديه لمجرد أنكم تأمرونه بذلك أو تلقنون له الأوامر. الطفل بطبيعته يقلد، فهو يُحسن إلى والديه لأنه رآكم بأم عينيه تُحسنون إلى والديكم في كل موقف.

فإن أردتم بصدق أن يبرّكم ابنكم غدًا عند كبركم، فليَرَ أبناؤكم كيف تبرّون أنتم بآبائكم اليوم أمام أعينهم، زوروا والديكم واصطحبوا أطفالكم معكم. اجلسوا عندهم بتواضع على الأرض، واشربوا قهوتهم بحب، وأصغوا لحكاياتهم المتكررة باهتمام بالغ. تحدثوا عنهم بإجلال واحترام ووقار حين يغيبون عن المجالس. إن الإحسان إلى الوالدين قيمة تُورَث بالمعايشة اليومية الحية لا بالموعظة اللفظية الجافة.

الأقربون ـــ الزيارة الميدانية هي الأصل

نظّموا في جداولكم المزدحمة زيارات دورية ثابتة لأقاربكم، بمعدل مرة كل شهرين على الأقل، وخذوا أطفالكم معكم في هذه الرحلات. لا تتركوهم في البيت مع الأجهزة الذكية بحجة واهية أنهم سيتعبون في الطريق أو سيشعرون بالملل. إن الطريق نفسه وما فيه من مشقة يعتبر جزءًا أصيلاً من عملية التربية، فالطفل الذي يرى أباه يقطع مسافة طويلة ويتحمل عناء السفر للوصول إلى بيت عمّه، يفهم تلقائياً أن صلة الرحم غاية تستحق بذل الجهد والوقت معاً.

وحين تصلون إلى وجهتكم، اجلسوا مجالسة حقيقية تتخللها الأحاديث الودية، لا زيارة سلام عابرة وباردة على الواقف. دعوا الطفل يختبر الحياة البسيطة، دعوه ينام في بيت جدته ليلة واحدة كاملة إن أمكن ذلك. ودعوه يأكل من طبخ يديها الذي يحمل نكهة الماضي، ويسمع حكاياتها التراثية العبقة. هذه الليلة الواحدة التي يقضيها هناك ستبقى محفورة في ذاكرته الوجدانية طول عمره.

وحين يكون عندكم ضيف زائر من الأقارب، أشركوا أطفالكم بفعالية في استقباله والترحيب به وخدمته. اجعلوه يحمل قدح الماء ويُقدّم فنجان القهوة، ويجلس بأدب مع الكبار يستمع لحديثهم وحكمتهم. إن هذه المجالسة الراقية تُعلّمه أصول الأدب ومهارات التواصل وقيمة الإحسان في آن واحد وبشكل عملي.

الجيران والفقراء ـــ العطاء بيد الطفل لا بيدكم

حين تطبخون طعامًا شهياً في منازلكم، تذكروا حقوق الجيرة وأعطوا جاركم نصيباً منه. وعلّموا طفلكم أن يحمل الطبق بنفسه متوجهاً إلى بيت الجيران ليقرع بابهم ويقدمه لهم بابتسامة. وحين ترون في طريقكم محتاجًا أو فقيراً، لا تعطوه أنتم، بل أعطوا طفلكم النقود ليُعطيها هو بيده الصغيرة للمحتاج. إن فعل الإحسان والبذل باليد يترك في أعماق النفس البشرية أثرًا بالغاً وعميقاً لا يتركه مجرد مشاهدته من بعيد كمتفرج.

الحيوان والأرض والبيئة المحيطة

ضعوا في فناء بيتكم الخارجي وعاء ماء صغيراً للطيور العطشى التي تمر في سماء الحي، وكلّفوا طفلكم بمهمة تجديد هذا الماء يوميًا ومراقبته. وحين يرى وهو يمشي نملة تسعى في طريقه، علّموه برفق أن يتجنّب مسارها وأن لا يدوسها بقدمه، احتراماً لحياتها.

والأهم من ذلك كله، لا تُلقوا القمامة أو المخلفات في الطريق العام أمام أعين أطفالكم، فالطفل الذكي الذي يرى أباه يُلقي علبة فارغة من نافذة السيارة المسرعة، لن يُصدّق أبداً أن الإحسان إلى الأرض يمثل قيمة حقيقية، مهما سمع عنها من شروحات ودروس منمقة في فصول المدرسة.

الخلاصة والختام

إن الإحسان يتكون من خمس دوائر متصلة ومترابطة: الوالدان، والأقربون، والناس، والحيوان، والأرض. ويجب أن نعي تماماً أن تعليم الطفل قيمة الإحسان لا يكون أبداً بمجرد الكلام النظري أو المحاضرات، بل يتحقق بالقدوة الحسنة، والممارسة اليومية، والزيارة الميدانية المستمرة.

زوروا أقاربكم بانتظام وخذوا أطفالكم معكم ليروا التطبيق العملي. اجعلوا التجمعات العائلية الدافئة تقليدًا دوريًا ثابتاً في حياتكم لا حدثًا نادرًا يقع صدفة. علّموا أطفالكم الصغار أن يحملوا الطبق لجارهم بأيديهم، وأن يُسلّموا على الكبار بأنفسهم دون خجل، وأن يسقوا قطة الحي العطشى من دون أن يأمرهم أحد بذلك.

وتذكّروا دائماً أن ذلك الطفل الصغير الذي كان يمرّ على بيت جدته كل يوم في الحارة القديمة، لم يكن يحتاج قط إلى من يُعلّمه الإحسان في فصول دراسية. لأن الإحسان العظيم كان مبثوثاً في هواء الحارة ذاتها، يستنشقه مع كل نسمة صبح.

ومهمتنا الجسيمة اليوم، كأولياء أمور ومربين، في المدرسة والبيت معًا، أن نُعيد إنتاج ذلك الهواء النقي وتلك الروح الأصيلة إلى حياة أطفالنا المعاصرة. وإن تغيّرت معالم الحارة، وتباعد الأقربون في الأمصار، وزحف الإسمنت البارد على البساتين الخضراء، فإن الفطرة السليمة ما زالت باقية ومغروسة في قلب كل طفل يولد. وما تحتاجه هذه الفطرة النقية منا اليوم هو أن نُوقظها بقدوة صادقة، ومجالسة حقيقية ملؤها الدفء، وزيارة موصولة لا تنقطع أبداً.

هذه التدوينة جزء من سلسلة «٢٥ قيمة لا تُعلِّمها الكتب المدرسية لأبنائك» ـــ اقرأ التدوينة الأم الشاملة.
التدوينة القادمة: البيان ـــ كيف نُعلِّم أطفالنا أن يُعبِّروا عمّا يعرفون؟ من محور العلم.

مقالات ذات صلة: