القيمة المفقودة في مناهجنا وكيف نستعيدها من صحراء “أبو ظلما”؟

كتبها أبو بلج عبدالله العيسري

مؤسس مدرسة القارئ العبقري

جدول المحتويات

القيمة المفقودة في مناهجنا

وكيف نستعيدها من صحراء «أبو ظلما»؟

عندما توفي أبي -رحمه الله تعالى- كنتُ غض الإهاب، بين الرابعة والخامسة من عمري. ومع صغر سني ذاك، إلا أنني لا أزال أعتصر من ذاكرتي رحيق ذكريات رائعة معه، بقيت عصية على النسيان، وكأنها نُقشت في سويداء القلب.

رحلة «أبو ظلما»: ذاكرة الرتع الأولى

من أبهى تلك الصور وأشدها رسوخاً، رحلتنا إلى فيافي «أبو ظلما»؛ تلك البقعة الساحرة التي تتدثر بجمال الصحراء في ولاية إبراء العريقة.

تحفظ لي الذاكرة أن وصولنا إلى ذلك الوادي كان في وقت الضحى، حين كانت الشمس ترسل خيوطها لتمسح وجه الرمل. أذكر أن أبي ومن معه اشتروا جديًا من أحد البدو القاطنين هناك، وأبصرتُ بعينيّ الصغيرتين كيف ذُبح وعُلّق على غصن سدرة باقية الآثار إلى يومنا هذا.

كلما زرتُ «أبو ظلما» اليوم، أقف أمام تلك السدرة، فتستجيش في نفسي ذكرياتُ طفلٍ كان يرى في والده العالم أجمع.

وفي إحدى عدوتي الوادي، يشمخ جبل صغير ندعوه «الضلعة». كنا -صغاراً وكباراً- نتسابق لصعوده، وننشغل بجمع حصاه الملون الذي لا تجد له نظيراً في غير ذلك المكان، وكأن الوادي يخبئ كنوزه لأطفالنا.

وفي تلك الأيام الخوالي، كانت أسراب «القطا» تعزف لحن الغدو والآصال بصوتها الرخيم، فتكتمل لوحة الطبيعة البكر. إن ذكرى «أبو ظلما» هي أسمى تجليات «الرتع» التي مررت بها في حياتي.

أولاً: الرَّتْع.. المصطلح الذي انفرد به الوحي

هل سمعتم من قبل بكلمة «الرَّتْع»؟ إن الكثير من الآباء والمعلمين اليوم تمر عليهم هذه الكلمة مروراً عابراً، ويظنونها مرادفة للعب، والحقيقة أن الرتع مفهوم تربوي مستقل، انفردت به التربية الإسلامية دون سائر الفلسفات الوضعية.

﴿أَرْسِلْهُ مَعَنَا غَدًا يَرْتَعْ وَيَلْعَبْ﴾

الفرق الجوهري بين الرتع واللعب

اللعب: قيد ونظام

اللعب نشاط تحكمه القواعد؛ فلكل لعبة «قانون» يتفق عليه الصغار قبل البدء، يحدد مَن يخرج، ومَن يفوز، وكيف تنتهي اللعبة.

الرتع: حرية وتأمل

الرتع مأخوذ من «رتع الشياه»؛ فهي تركض، تقف، تجلس، وتأكل في المرعى دون جدول صارم. وكذلك الطفل حين يرتع؛ فإنه يهيم في الصحاري، السهول، الجبال، أو الشواطئ.

الرتع هو أن ينظر الطفل في ملكوت الله، يتأمل النمل، يسمع هديل الحمام، ويراقب جريان الفلج والمد والجزر. الرتع هو التأمل والتدبر والمشي الذي لا تضبطه قاعدة.

ثانياً: استلاب الطفولة في العالم المعاصر

ما الذي دها أطفالنا اليوم؟ إنهم يعيشون مأساة حقيقية؛ فلا وقت للرتع ولا للعب. يبدأ يومهم قبل الفجر، ويسابقون الحافلة المدرسية بحقائب تثقل كواهلهم، ليعودوا في المساء منهكين، لتبدأ معركة أخرى مع «الواجبات المنزلية» التي تلتهم بقية أعمارهم.

متى سيرتع هذا الطالب؟

إن حرمان الطفل من الرتع يحرمه من أعظم جوانب تكوينه. فالكتب المدرسية قد تتحول إلى «بعبع» ينفر الطفل من العلم، لأنه يرى فيها السجن الذي يقيده عن ممارسة فطرته.

ثالثاً: تجارب مدرسية موسعة لإعادة «الرتع»

١

الرحلة الاستكشافية المفتوحة

ينبغي اختيار الوجهات الطبيعية كالوديان، مثل أبو ظلما، أو الجبال أو المزارع. يتم إطلاق الأطفال فيها دون جداول صارمة، مع اكتفاء المعلم بالإشراف البعيد.

٢

حصة الاستكشاف الصامت

تُخصص خمس عشرة دقيقة أسبوعياً في فناء المدرسة يراقب فيها الطفل «عالم النمل» أو «ورقة تسقط» بهدوء تام.

٣

ثورة «لا واجبات» منزلية

تقليص الواجبات المنزلية خطوة مؤثرة؛ فالطفل الذي يعود في الثانية ظهراً يحتاج وقتاً ليرتع ويجلس مع أهله.

٤

يوم بلا جدول شهري

يوم كامل يُفتح فيه باب المدرسة للأطفال ليفعلوا ما يشاؤون؛ يقرؤون، يتحدثون مع معلميهم كأصدقاء، أو يتسلقون الأشجار بأمان.

٥

تصميم «ركن الرتع» الدائم

توفير مساحة في الفناء تحتوي على الرمل، التراب، والماء الجاري؛ فالتعامل مع عناصر الطبيعة الخام ينمي قدرات الطفل.

٦

مختبر الطبيعة المصغر

تخصيص أحواض زراعية لكل فصل، حيث يراقب الأطفال نمو البذور وتغير ألوان الأوراق وتأثير الشمس.

رابعاً: تجارب منزلية لإحياء قيمة التأمل

١

كسر الجدران الأربعة

افتحوا الباب للطفل ليخرج إلى الحارة أو الحديقة أو ساحة المسجد؛ فالاحتكاك بالمجتمع الحي جزء أصيل من الرتع.

٢

رحلة الجمعة الطبيعية

استبدلوا «المولات» بالوديان والشواطئ. ساعتان في الطبيعة كفيلتان بإعادة التوازن لنفس الطفل.

٣

نافذة الرتع اليومية

ربع ساعة يومياً يجلس فيها الطفل في الشرفة أو الفناء يراقب السماء والطيور والغيوم دون هاتف أو تلفاز.

٤

رعاية كائن حي

تربية قطة أو زراعة شجرة يراقب نموها؛ فالرتع هو ملامسة نبض الحياة اليومي.

٥

المشي العائلي الهادئ

خرجة أسبوعية على الأقدام بلا هدف محدد، تسمعون فيها أصوات الحي وتتبادلون الحديث الصادق.

٦

حقيبة الرتع للسفر

استبدلوا الأجهزة الإلكترونية بحقيبة تحتوي على عدسة مكبرة، دفتر رسم صغير، وأقلام تلوين.

٧

الرتع في المطبخ

دعوا الطفل يلمس الدقيق، يراقب تفاعل الخميرة، ويشم روائح البهارات المختلفة. هذه الحواس الخمس أدوات رتع تبني الوعي بالعالم.

خامساً: تنبيهات تربوية عميقة

  • الرتع يحتاج استقلالاً: الإشراف المطلوب هو الإشراف البعيد الذي يمنح الطفل خصوصيته؛ فالطفل الذي يشعر بالمراقبة اللصيقة يتقيد في حركته وتفكيره.
  • الرتع أمان للطفولة: الحرمان من الطبيعة يضعف مناعة الطفل النفسية والجسدية. الطفل الذي لم يختبر السقوط أو الاتساخ في صغره قد يواجه عثرات أكبر في شبابه.
  • الرتع استثمار للوقت: الساعة التي يقضيها طفلك يراقب فيها نملة أو جدول ماء تعلمه من الصبر والدقة ما يعجز عنه مئة ورقة امتحان.

سادساً: مراجع وتجارب عالمية معاصرة

للاستزادة حول أثر الطبيعة والتأمل في نمو الأطفال، يمكنكم الاطلاع على:

  • تجربة مدارس الغابات: نموذج عالمي يطبق جوهر الرتع الإسلامي في الهواء الطلق، حيث يقضي الأطفال يومهم الدراسي كاملاً بين الأشجار والجداول.
  • دراسة نقص الطبيعة: التي تحذر من الآثار النفسية والسلوكية الناتجة عن حبس الأطفال خلف الجدران وانفصالهم عن البيئة الطبيعية.
  • كتاب «١٥ حقيقة لعلاج الضعف القرائي»: الذي أفرد مساحة واسعة لشرح علاقة الرتع بنمو الذكاء اللغوي والقرائي عند الناشئة.

الخلاصة

الرتع جزء أصيل من التكوين العقلي والروحي للطفل؛ وهو مفهوم سماه القرآن قبل قرون وأغفلته الفلسفات الحديثة.

الطفل الذي يرتع يرى عظمة الخالق في سمائه، ويسمع تسبيح الكون في عصفوره. أما المحروم منه، فسيظل يعاني من فراغ داخلي وحنين لشيء لم يذق طعمه قط.

افتحوا الأبواب.. وخذوهم إلى الجبل والبحر ووادي «أبو ظلما».. واتركوهم يرتعون.

مقالات ذات صلة: