رحل الشيخ الداعي خلفان بن محمد العيسري -عليه شآبيب الرحمة والرضوان- وترك في النفوس ندوب الفقد، لكنه أبقى في العقول والقلوب مناراتٍ لا تنطفئ، وسيرةً تعبق باليقين كأنها روضة من رياض الجنة. بدأت مسيرتي مع شيخنا الراحل مبكرة منذ طفولتي الغضة، بحكم أواصر القربى التي جمعتنا؛ فهو ابن خالي محمد -رحمه الله-، لتمتد بيننا جسور المودة، وتتوطد العلاقة وتتعدد اللقاءات وتزدهر وتكثر، بعد أن غدونا شركاء ضمن مجموعة من الشباب في «تسجيلات مشارق الأنوار» التي وفقني المولى تبارك وتعالى لتأسيسها في عام 1417هـ، فكانت تلك الانطلاقة بمثابة الغرس الأول في حقل العمل الدعوي والإعلامي.
بعد تأسيس «المشارق» بعام واحد، وافقته في مصير دعوي إلى مدينة «جرينس بي» ببريطانيا، حيث كنت أدرس هناك دراسة مؤقتة مع شيخنا محمد بن سليمان الشعيلي وبعض الإخوة، فزارنا الشيخ خلفان -رحمه الله- في تلك البلاد البعيدة، لتكون زيارته غيثاً يبلل ظمأ الغربة، ثم انتقلنا بعدها لنادٍ للفتيان بترتيب من أخينا الأستاذ بدر الهاشمي وزوجه، فكانت تلك المحطات صقلاً للروح وتعميقاً للروابط تحت ظلال العلم والدعوة.
الابتسامة التي لم يكسرها الوجع

حين اكتشفت إصابة الشيخ خلفان بمرض السرطان، جثمت على صدري هيبة الموقف، وكنت متردداً كيف سأقابله لأول مرة؟ وبأي وجه سأنظر إلى محياه الذي قد يغيره المرض؟ ولكنني عجبت واستبشرت بأنني عندما دخلت عليه لم أجد أدنى تغير؛ لا في ابتسامته المعهودة التي كانت تشرق كالفجر في وجوه المحبين، ولا بـ «الأفاكيه» والمداعبات اللطيفة التي يرش بها في المجلس كعطر فواح، ولا بنبرة التفاؤل واليقين التي عهدناها منه كأنها شلال من النور لا ينقطع، ولا حتى في اهتمامه بإصلاح ذات البين وبتقديم المشورة لمن طلبها لوجه الله تعالى رغم وطأة السقم الذي ينهش في الجسد.
وفي تلك المدة، كنا في «مجموعة العيسري» في مسيس الحاجة لمستشار حكيم، ليكون لنا «بوصلة» ترشدنا إلى علاج بعض القضايا المفصلية في إدارة المجموعة، لا سيما بعد توسعها ودخول عدد من المؤسسات الجديدة فيها ووجود بعض النقاط التي تحتاج إلى مبضع الجراح الإداري لعلاجها كما هو الشأن في أي مؤسسة تنمو وتكبر. فاستشرته في الجهة التي يرشدني إليها لعلاج هذه الملفات، ولكنه -رحمه الله تعالى- أخبرني بأنه ابتداءً سيأتي بنفسه، فجاء فعلاً ودخل إلى «قاعة مودة» يقوده في الكرسي المتحرك ولده أسامة.
أكمل قراءة المقال
أنشئ حسابًا مجانيًا للوصول إلى بقية المقال والاستفادة من محتوى مدرسة القارئ العبقري.
أنشئ حسابك المجاني
أنشئ حسابًا لمتابعة قراءة المقال
والوصول إلى محتوى مدرسة القارئ العبقري.
سجّل دخولك لمتابعة القراءة
سجّل دخولك لمتابعة قراءة المقال