شآبيب السكينة: محاور الذكر العشرة في رحاب الفاتحة ومسيرة الشيخ خلفان العيسري

كتبها أبو بلج عبدالله العيسري

مؤسس مدرسة القارئ العبقري

جدول المحتويات

شآبيب السكينة: محاور الذكر العشرة في رحاب الفاتحة ومسيرة الشيخ خلفان العيسري

رحل الشيخ الداعي خلفان بن محمد العيسري -عليه شآبيب الرحمة والرضوان- وترك في النفوس ندوب الفقد، لكنه أبقى في العقول والقلوب مناراتٍ لا تنطفئ، وسيرةً تعبق باليقين كأنها روضة من رياض الجنة. بدأت مسيرتي مع شيخنا الراحل مبكرة منذ طفولتي الغضة، بحكم أواصر القربى التي جمعتنا؛ فهو ابن خالي محمد -رحمه الله-، لتمتد بيننا جسور المودة، وتتوطد العلاقة وتتعدد اللقاءات وتزدهر وتكثر، بعد أن غدونا شركاء ضمن مجموعة من الشباب في «تسجيلات مشارق الأنوار» التي وفقني المولى تبارك وتعالى لتأسيسها في عام 1417هـ، فكانت تلك الانطلاقة بمثابة الغرس الأول في حقل العمل الدعوي والإعلامي.

بعد تأسيس «المشارق» بعام واحد، وافقته في مصير دعوي إلى مدينة «جرينس بي» ببريطانيا، حيث كنت أدرس هناك دراسة مؤقتة مع شيخنا محمد بن سليمان الشعيلي وبعض الإخوة، فزارنا الشيخ خلفان -رحمه الله- في تلك البلاد البعيدة، لتكون زيارته غيثاً يبلل ظمأ الغربة، ثم انتقلنا بعدها لنادٍ للفتيان بترتيب من أخينا الأستاذ بدر الهاشمي وزوجه، فكانت تلك المحطات صقلاً للروح وتعميقاً للروابط تحت ظلال العلم والدعوة.

الابتسامة التي لم يكسرها الوجع

حين اكتشفت إصابة الشيخ خلفان بمرض السرطان، جثمت على صدري هيبة الموقف، وكنت متردداً كيف سأقابله لأول مرة؟ وبأي وجه سأنظر إلى محياه الذي قد يغيره المرض؟ ولكنني عجبت واستبشرت بأنني عندما دخلت عليه لم أجد أدنى تغير؛ لا في ابتسامته المعهودة التي كانت تشرق كالفجر في وجوه المحبين، ولا بـ «الأفاكيه» والمداعبات اللطيفة التي يرش بها في المجلس كعطر فواح، ولا بنبرة التفاؤل واليقين التي عهدناها منه كأنها شلال من النور لا ينقطع، ولا حتى في اهتمامه بإصلاح ذات البين وبتقديم المشورة لمن طلبها لوجه الله تعالى رغم وطأة السقم الذي ينهش في الجسد.

وفي تلك المدة، كنا في «مجموعة العيسري» في مسيس الحاجة لمستشار حكيم، ليكون لنا «بوصلة» ترشدنا إلى علاج بعض القضايا المفصلية في إدارة المجموعة، لا سيما بعد توسعها ودخول عدد من المؤسسات الجديدة فيها ووجود بعض النقاط التي تحتاج إلى مبضع الجراح الإداري لعلاجها كما هو الشأن في أي مؤسسة تنمو وتكبر. فاستشرته في الجهة التي يرشدني إليها لعلاج هذه الملفات، ولكنه -رحمه الله تعالى- أخبرني بأنه ابتداءً سيأتي بنفسه، فجاء فعلاً ودخل إلى «قاعة مودة» يقوده في الكرسي المتحرك ولده أسامة.

وأذكركم هنا بأنني أتحدث عن شخص مصاب بهذا المرض الخبيث، وكالعادة بدأ حديثه في أوله ومنتصفه وآخره وهو بابتسامته المعهودة، ولم يتغير من سكينته شيء، وكأن الرضا قد صبغ روحه بصبغة إلهية لا تمحوها الأوجاع. وكنت وهو على ظهر هذه الدنيا أتساءل في نفسي بين الفينة والفينة: ما السر الذي يخفيه هذا الإنسان؟ وكيف أنه لم تمطره النعمة بطراً، ولم تغيره المحن عجزاً؟ وعندما أردت أن أصل إلى الجواب، هداني ربي إلى أن أضع معه في القائمة أناساً آخرين ممن أنا لصيق بهم من مثل عمي محمد، وخالي سيف بن محمد، والوالد محمد بن حمدون، لعلني أستخرج «جوهر» هذه السكينة من مناجم حياتهم.

السبر والتقسيم.. والوصول إلى علة السكينة

حتى أصل إلى نتيجة يغلب صوابها على خطئها، اتبعت ما يسميه علماء أصول الفقه «السبر والتقسيم». والسبر والتقسيم منهج أصولي استدلالي يُستخدم لمعرفة علة الحكم الشرعي عند عدم وجود نص صريح، وذلك عبر حصر الأوصاف المحتملة للعلة في الأصل المقيس عليه (التقسيم)، ثم إبطال الأوصاف غير المناسبة منها واحداً تلو الآخر (السبر)، حتى يتعين الوصف الصحيح للعلة.

هؤلاء الذين ذكرتهم كلهم رجال، وكلهم من أهل «السباخ»، وكلهم أغنياء وذوي يسار، وبعد أن جئت لأسبر أغوار هذه العلل: هل السر هو «الرجولة»؟ هل هو «المكان»؟ هل هو «الغنى»؟ لم تصمد هذه الأوصاف سوى بضع ثوانٍ ثم تساقطت كلها كأوراق الخريف. وبعد رحيلهم، وصلت إلى النتيجة اليقينية التي تضيء مشكاة الروح في آية من كتاب الله تعالى: (الَّذينَ آمَنوا وَتَطمَئِنُّ قُلوبُهُم بِذِكرِ اللَّهِ أَلا بِذِكرِ اللَّهِ تَطمَئِنُّ القُلوبُ).

هذه هي العلة إذاً؛ إن العودة إلى سِيَرِ حياتهم -عليهم جميعاً الرحمة والرضوان- تدلنا على أنهم كانوا يتقلبون في محاور الذكر بين محور إلى محور، يغترفون من نمير الطمأنينة اغترافاً، هكذا نحسبهم ولا نزكي على الله أحداً. فما هي محاور الذكر التي تجعل القلب حصناً منيعاً أمام عواصف الدنيا؟

محاور الذكر العشرة في سورة الفاتحة

محاور الذكر عشرة على عدد أصابع اليدين، ومن لطف الله سبحانه وتعالى بعباده أن جمعها لهم في سورة الفاتحة، لتكون لهم زاداً في السير إلى الله. هذا من حيث المجمل، وسنمر عليها واحداً واحداً لنعطي لمحة عن كل محور، على أن نعود لكل محور منها بتدوينة منفصلة، فهي تستحق ذلك، ومن فهم هذه المحاور طابت له الحياة وتنزلت عليه البركات كالمطر الهتان، أما من فهم كل محاور «خماسية السكينة» ولكن فاته هذا المحور الأساسي (الذكر) فإنه كأنما بنى قصراً في مهب الريح لا أساس له يمسكه.

١المحور الأول: الاستعاذة (أعوذ بالله من الشيطان الرجيم)

هذا المحور هو المحور المنسي من محاور الذكر، فكثير من المسلمين يمرون عليه مرور الكرام حين يشرعون في تلاوة القرآن. والاستعاذة هي «المفتاح» الأول الذي يبدأ به الإنسان عند التلاوة، وهي كذلك الخاتمة في آخر سورة في القرآن (سورة الناس) التي تمحضت للاستعاذة من الوسواس الخناس.

وعندما أقول بأنه المحور المنسي، لأن الواقع يثبت أن كثيراً من الناس يعشش في عقولهم وفي قلوبهم أن لهم أعداء أشد عداوة من الشيطان؛ فهناك من يلبس عداوة الكفار ثوب الأولوية، وهناك من يشغل قلبه بعداء الفساق. ولو تأملنا آيات القرآن وقصصه، لوجدنا بأن كل هذه العداوات إنما هي أغصان منبثقة من شجرة عداوة الشيطان لآدم وبنيه. فأول قصة من قصص القرآن التي تكررت كثيراً هي قصة خلق آدم وفيها تظهر عداوة الشيطان سافرة. ثم إن الله سبحانه وتعالى ذكر لنا على ألسنة الأنبياء بأن الشيطان هو العدو الأول؛ فهذا موسى عليه الصلاة والسلام عندما وكز القبطي قال: (هذا من عمل الشيطان إنه عدو مضل مبين)، وهذا يوسف عليه الصلاة والسلام يصف كيد إخوته بأنه (من بعد أن نزغ الشيطان بيني وبين إخوتي)، وهذا أيوب عليه الصلاة والسلام يشكو بثه: (ربي أني مستني الشيطان بنصب وعذاب).

وما نريد أن نقوله بأن أي صرح للذكر يُبنى مع إغفال محور الاستعاذة فإنه بناءٌ متداعٍ سيؤول إلى الاضمحلال ثم الزوال؛ فهب أن إنساناً يذكر الله سبحانه وتعالى ليل نهار ولكنه غافل عن هذا العدو الرابض له في الدروب، فإن الشيطان سرعان ما يغزوه ويستحوذ عليه حتى يصل والعياذ بالله إلى مرحلة: (استحوذ عليهم الشيطان فأنساهم ذكر الله). وفي تربيتنا لأطفالنا في المدارس والبيوت والمساجد، لابد أن نعطي هذا المحور أهميته القصوى، ونبين لهم هذه العداوة من خلال قصص القرآن والتربية بالأحداث؛ فكلما حدث اصطدام بين الأشقاء أو الزملاء، ينبغي أن نذكرهم بأن هذا من «نزغ» الشيطان، لئلا نترك له ثغرة في جدار نفوسهم.

٢المحور الثاني: الحاكمية (بسم الله)

الحاكمية تعني أن الله سبحانه وتعالى هو الذي فطر هذا الكون وهو الحاكم لكل ذرة فيه، فلا يجوز للإنسان أن يركب قطار الهوى، وإنما كل شيء ينبغي أن يسير على سكة مراد الله سبحانه وتعالى. إننا عندما نبدأ قبل الطعام نقول «بسم الله» أي أننا نتناول هذا الرزق لأن الله تعالى أذن لنا بفعله، وعندما نأوي إلى فراشنا نقول «باسمك ربي وضعت جنبي وبك أرفعه» أي أننا نستسلم للنوم واليقظة وفق سنته ومراده.

المعنى الظاهر لكلمة «بسم الله» قد يكون مفهوماً عند الكثيرين كطلسم «للبركة»، ولكن فهمهم يظل كالقشرة القاصرة عن لب الحاكمية؛ ولذلك نجد الكثيرين لا يبالون بمخالفة أوامر الله في واقعهم. لابد من تعليم الأطفال منذ نعومة أظفارهم أن «بسم الله» هي «التفويض والتمثيل»؛ فنقول لهم: لو أرسلك أبوك برسالة، فهل تتكلم باسمك؟ سيقول لا، بل باسم والدي. وهكذا المعلمة حين ترسل التلميذ للمديرة، فهو لسانها الناطق. هكذا ينبغي لنا أن نفعل، فالله أرسل الرسل وأنزل الكتب لنعلم ماذا يريد، وعندما يتحدث الرسول ﷺ فهو يتكلم «بسم الله» لا عن هوىً في نفسه. وبدون هذا المحور، يظل الإيمان جسداً بلا روح، فالعلمانية تطل برأسها حين يفصل الإنسان بين فعله وبين «بسم الله».

٣المحور الثالث: الأسماء الحسنى (الرحمن الرحيم)

أسماء الله الحسنى هي «نوافذ» المعرفة بالله، وما يحتاجه الطفل هو أن يُربى من خلال الربط بالواقع الحي؛ فكل حدث يمر به هو فرصة لفتح نافذة لاسم يناسبه. في اليوم الذي يصله فيه رزق أو مكافأة (المنفعة الاجتماعية)، يقال له: من الذي أجرى هذا النهر إليك؟ إنه الله «الرزاق» ذو القوة المتين. وعندما يكشف الله عنه سحاب المرض، نذكره بقوله تعالى: (وإذا مرضت فهو يشفين).

ومن المواقف التي لا أنساها أننا بعد أن أصيبت «إبراء» بالجدب وقحلت الأرض، أردنا أن تكون لنا حديقة تكون لنا واحة نسترجع فيها عبق الماضي، ولكن في كل مرة نحاول كانت المحاولات تذروها الرياح. وذات يوم كنت مع صغاري نطوف حول الكعبة، وقلت لهم: هل ما زلتم تحلمون بالحديقة؟ قالوا: نعم. فقلت لهم: إذاً اقرعوا باب الله «الغفار» وأكثروا من الاستغفار لأن الله تعالى قال: (فقلت استغفروا ربكم إنه كان غفاراً يرسل السماء عليكم مدراراً ويمددكم بأموال وبنين ويجعل لكم جنات ويجعل لكم أنهاراً). وما هي إلا برهة يسيرة بعد عودتنا حتى رزقنا الله سبحانه وتعالى «بئرحاء» ثم رزقنا بعدها «جنة الطيبات» لتكون شاهداً حياً على بركة الذكر بالأسماء الحسنى.

٤المحور الرابع: الحمد (الحمد لله)

حمد الله هو «الترياق» ضد داء الغرور؛ وهو أن ننسب كل فضل وجلال لله سبحانه وتعالى، وننفض أيدينا من دعوى الحول والقوة. فإذا حقق الطفل فوزاً أو رزقه الله لعبة، لابد أن يلهج لسانه بـ «الحمد لله». ومما يدمي الفؤاد ويندى له الجبين أن بعض العقلاء كلما لمع لهم برق نجاح نسبوه لأنفسهم قائلين: «أنا فخور بما حققت»، غافلين عن قوله تعالى: (إن الله لا يحب من كان مختالاً فخوراً).

تقول زوجي أم البلجاء حفظها الله في كتابها (حكايات أم):

لعبة النعم

بعد حضوري لدورة التدبر للشيخ بوسنان حفظه الله، منّ الله علينا بتدبر النعم مع أولادي وذلك من خلال لعبة النعم، وتكون في وقت الوجبة والأسرة مجتمعة بأن يقول كل واحد الحمد لله الذي رزقني نعمة ويذكر النعمة ويستشعرها ويتكلم فيها الشيء البسيط مع ذكر آية متعلقة بها إذا تذكر الآية المناسبة، مثلاً نعمة الماء «وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ».

اللعبة ذكرتنا بنعم لم نفكر فيها، فاستشعرناها والحمد لله، خاصة أنها كانت من أفواه الصغار. ثم طبقنا نطبقها يومياً في مركز العيسري عند العباقرة وقد آتت أكلها والحمد لله.

٥المحور الخامس: التعظيم (رب العالمين)

الإيمان الشكلي بوجود الله هو إيمان «بلاستيكي» قد يذوب عند أول حرارة لابتلاء. أما الإيمان الحقيقي فهو المصحوب بالتعظيم لله «رب العالمين» ومالكهم ومسير أفلاكهم. غرس هذا التعظيم يكون بجعل الكون «مختبراً» للنظر الفطري؛ فإذا أبصروا الإبل كان الشعار: (أفلا ينظرون إلى الإبل كيف خلقت)، وإذا رفعوا رؤوسهم للسماء أو الجبال نبهتهم لآيات الرفعة والنصب: (وإلى السماء كيف رفعت.. وإلى الجبال كيف نصبت). ربط «كتاب الكون المنظور» بـ «كتاب الوحي المسطور» يجعل عظمة الخالق تفيض في جوانحهم، فلا يستعظمون أحداً سوى الله.

٦المحور السادس: ذكرى الدار (مالك يوم الدين)

ذكرى الدار هي «البوصلة» التي توجه السلوك نحو غاية لا تفنى، وبالنسبة للأطفال ينبغي أن نفتح لهم أبواب الشوق للجنة، لتكون الآخرة حاضرة في وجدانهم لا غائبة.

قالت أم البلجاء في كتابها (حكايات أم):

كيف نشوقهم إلى الجنة؟

الإيمان باليوم الآخر يرد في القرآن الكريم مرتبطاً بالإيمان بالله، وقد درجت على أن ألعب مع أطفالي لعبة تقوي إيمانهم باليوم الآخر وتشوقهم إلى الجنة، وهي لعبة «تعالوا نتخيل». تبدأ اللعبة بأن أطلب منهم أن يغمضوا أعينهم، ثم أقول تخيلوا أن القيامة قد قامت، تخيلوا أننا الآن عند باب الجنة والملائكة تستقبلنا، تخيلوا… تخيلوا، وعادة حينما أطلب منهم أن يفتحوا أعينهم يعبرون عن فرحهم، حتى أن ابنتي قالت في إحدى المرات: أحس أنني لم أكن هنا.

لقد كانت أيامًا جميلة، فشغلتنا عنها الدنيا لمتاعها الزائل، ولم نعد نلعب مثل هذه اللعبة مع أبنائنا إلا قليلًا. ونستغفر الله ونتوب إليه ونعود إلى قول المسلمين، وقد عزمنا على تدارك أنفسنا، مستفيدين من دورات الشيخ داؤود بوسنان ومن أسلوبه.

وقالت حفظها الله في موضع آخر:

ذكّريه بالجنة وانتظري النتيجة

كان عند ابنتي الصغيرة بعض الحلوى، وتوافق دخول بعض الأطفال إلى منزلنا، فرغبت إليها أن تعطيهم شيئًا مما عندنا، فرفضت، فحدثتها عن الجنة، وعن الحسنات التي ستكتسبها إذا أعطتهم، فأعجبها الكلام واطمأنت له. وكنت كلما أعطت أحدهم قطعة من الحلوى أقول: كسبت حسنة، كسبت حسنتين، كسبت ثلاث حسنات، وهكذا.

هذه طريقة مبسطة لجعل الطفل يطبق قول رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا، وزنوا أعمالكم قبل أن توزن عليكم»

٧المحور السابع: إفراد الله بالعبادة (إياك نعبد)

هذا المحور هو «العمود الفقري» للدين، ويُغرس في نفوس الصغار عبر رحيق القصص القرآني، ولا سيما قصة الخليل إبراهيم عليه السلام؛ ففي ثباته أمام والده، وفي معجزة النار، وفي تركه لأهله في وادٍ قفر، وفي استسلامه لأمر الذبح؛ دروسٌ تجعل «إياك نعبد» حقيقة تعيش في القلوب لا مجرد كلمات تلوكها الألسن.

٨المحور الثامن: الاستعانة (وإياك نستعين)

الطفل يحتاج دوماً لـ «عكاز» يستند إليه، فنصرف قلبه عن الاستناد للأسباب الضعيفة إلى الاستعانة بالقوي المتين. ولتقريب الصورة لذهنه، نطلب من رضيع أن يعيننا في مهمة شاقة، فحين يدرك الطفل عجز الرضيع، نسأله: من الأقدر؟ ليعلم أن الله هو «المعين» الحقيقي. وإذا وجد عوناً من بشر، نبهناه أن الله هو الذي «سخر» هذا القلب وسخر تلك اليد، فلولا تمكين الله لظل الجميع في عجزهم.

٩المحور التاسع: الدعاء (اهدنا الصراط المستقيم)

الدعاء هو «سلم» العروج إلى الله، ومن سورة الفاتحة نتعلم أن الله يجيب من ناداه. لابد من تحبيب الأطفال في مناجاة الله في كل شؤونهم، وتطعيم عقولهم بأدعية القرآن عبر «مصفوفة المدى والتتابع»، فيبدأ بـ (رب زدني علماً)، و (رب اشرح لي صدري)، ليكون الدعاء له نفساً كما أن الهواء له نفس.

وأذكر بامتنان شيخنا ابن غابش -عليه شآبيب الرحمة- الذي كان يتبع معنا «تكتيك» التدرج؛ فكان يعطيني دعاءً، فإذا داومت عليه كافأني بدعاء آخر، كأنه يفتح لي أبواب الكنوز باباً تلو باب، حتى غدا الدعاء رفيق دربنا.

١٠المحور العاشر: الولاية والبراء (صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين)

الولاية والبراء هي «ميزان» العلاقات الإنسانية؛ فالطفل لابد أن يعلم أن ولاءه هو لأولياء الله، وأن براءه هو من أعداء الله، كما قال إبراهيم: (إنا برآء منكم ومما تعبدون من دون الله).

ولا يعني هذا أن نلبس ثوب «الغلظة» مع الناس؛ فالمعاملة بالحسنى هي «العملة» التي نتعامل بها مع الجميع. فإبراهيم عليه السلام رغم براءته من شرك أبيه ظل يخاطبه بـ «يا أبتِ» بكل أدب، والرسول ﷺ كان يجير المشركين ويحميهم حتى يسمعوا كلام الله ثم يؤمن لهم سبل العودة إلى ديارهم بسلام. فلا تضارب بين صفاء العقيدة وبين رقي المعاملة.

ختاماً: الذكر هو المنارة

هذه هي «بينات الذكر» التي تجعل المرء يتقلب في معارج السكينة، فتغدو حياته كالبستان المثمر مهما كانت قسوة المناخ من حوله. فإذا جعلنا هذه المحاور «المنارة» التي تهدي سفننا في المدارس والبيوت، فإن فجر النصر والتأييد قادم لا محالة، (واذكر ربك في نفسك تضرعاً وخيفة ودون الجهر من القول بالغدو والآصال ولا تكن من الغافلين). فالله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون.

مقالات ذات صلة: