الرَّتْع

كتبها أبو بلج عبدالله العيسري

مؤسس مدرسة القارئ العبقري

جدول المحتويات

مصطلح قرآني لا تعرفه المناهج الأخرى

بقلم: عبدالله بن عامر العيسري (أبو بلج)

هل سمعتم من قبل بكلمة «الرَّتْع»؟

كثير من الآباء والمعلمين لم يسمعوا بها. وإن سمعوا بها ظنّوها مرادفة للعب. والحقيقة أن الرتع مفهوم تربوي مستقل، انفردت به التربية الإسلامية دون سائر الفلسفات، وذكره القرآن الكريم مقرونًا باللعب — لا مرادفًا له — في قوله تعالى على لسان إخوة يوسف عليه السلام:

فالطفل الذي يحرم من الرتع يحرم من جانب من أعظم جوانب تكوينه — حتى لو لعب ساعات طويلة كل يوم.

وقد كتبتُ عن هذا المفهوم في كتاب «15 حقيقة لعلاج الضعف القرائي»، واخترت أن أقتبس منه في هذه التدوينة نصًا طويلًا لأن الكلام يُبنى على معرفة المصطلح أولًا. ثم نأتي بعد ذلك إلى الخطوات العملية.

  اقتباس من كتاب «15 حقيقة لعلاج الضعف القرائي»

الرتع قبل اللعب

قبل أن نتحدث عن هذه الحقيقة أحب أن أشير إلى مصطلح تربوي لا يتردد في أي فلسفة أخرى غير الفلسفة الإسلامية، وهو مصطلح الرتع؛ فتجد فيما كُتب حول التربية والتعليم وعلم نفس النمو في الآداب الغربية كثيرًا من المقاربات عن اللعب، ولكنها لا تفصل بين الرتع واللعب.

أما في القرآن الكريم فقد جاء على لسان إخوة يوسف:

فهناك رتع، وهناك لعب.

والفرق بينهما أن اللعب له قواعد، كل لعبة لها قاعدة أو حزمة من القواعد يعرفها اللاعبون. وتجد أن الأطفال حينما يبتكرون لعبة يجلسون فيما بينهم ليتّفقوا على قواعدها ولو لمدة دقيقة أو دقيقتين، أن القاعدة هي كذا وكذا، من يفعل كذا يكون قد خرج من اللعبة، ومن يفعل كذا يكون قد فاز فيها.

أما الرتع فنقول: ترتع الشياه في المرعى؛ تركض، تقف، تجلس، تأكل من ذلك المرعى.

وكذلك الحال بالنسبة للطفل حينما يرتع؛ فهو يذهب إلى المساحات الخضراء، أو إلى الصحاري، أو إلى السهول والهضاب، أو إلى الجبال، أو إلى غيرها من هذه البيئات المتنوعة التي سخّرها الله سبحانه وتعالى لبني آدم، فينظر في ملكوت الله، ويتأمل، ويسمع إلى هديل الحمائم وإلى زقزقة العصافير وخرير الماء، وينظر إلى الماء كيف يسير في الفلج وفي الجدول، وينظر إلى البحر الممتد، وينظر إلى المد والجزر، وغير ذلك من النظر والتأمل — كل هذا يسمى رتعًا.

فالرتع في حقيقته هو التأمل والتدبر والمشي، لا تضبطه قاعدة من القواعد بخلاف اللعب. وكلاهما مهم من أجل أن يتعلم الصغار.

قصة مأساة

ما الذي يحدث في عالم اليوم؟

الذي يحدث أن الطفل لا يوجد له وقت كافٍ للرتع ولا للعب. وقد ذكرتُ أكثر من مرة أن الجدول اليومي للأطفال أنهم يخرجون بعد صلاة الفجر مباشرة للاستعداد للمدرسة، يتناولون فطورهم بسرعة، وبعضهم لا يكاد يكمل فطوره حتى يسمع صوت الحافلة وقد وقفت أمام الباب، فيركب حاملًا فوق ظهره حقيبة ملأى بالكتب.

ثم يستمر في مدرسته إلى الساعة الثانية، وفي بعض البلاد إلى الثالثة، فيرجع من المدرسة مباشرة إلى تناول الغداء قرب صلاة العصر. وبعض الأطفال يصلون إلى المنزل وقد أذّن المؤذن لصلاة العصر، فيذهبون للصلاة ثم يعودون للغداء. وبعضهم يتغدى ويسمع صوت المؤذن أثناء الغداء، يذهب لصلاة العصر، ثم حينما يُنهي صلاته فهو واحد من فريقين: إما أن يكون طالبًا جادًا، وإما أن يكون طالبًا مهملًا.

فإن كان جادًا ويريد أن يصل إلى مستوى متقدم ويريد أن يستجيب لأوامر المعلمين والمعلمات، فإنه يعلم أن قائمة طويلة عريضة من الواجبات المنزلية تنتظره. ويعلم أن المعلمين والمعلمات يتنافسون ويتبارون في تلك الواجبات محكومين بمنهج الوزارة. فيأتي وقت صلاة العشاء وهو لم ينهِ واجباته. وأعلم عن كثير من الطلاب أنهم يضطرون إلى أن يُكملوا الواجب وهم في الحافلة في طريقهم إلى المدرسة.

هذا الطالب:

◁ متى سيلعب؟

◁ ومتى سيرتع؟

◁ ومتى سيجلس مع أمه وأبيه ليسمع الحكايات؟

◁ ومتى سيجلس في الحديقة؟

◁ وإذا كان ساكنًا في ريف أو في بادية، فمتى سيمر على مراعي الأغنام والإبل، ويسمع أصواتها وينظر إليها، كما قال الله سبحانه وتعالى:

◁ ومتى سيستطيع أن يحقق مهارات أخرى هو مطالب بتحققها في طفولته؛ من مثل خدمة الضيف، والجلوس إلى الكبار، والمناقشة، واللغة، والذكاء التواصلي، والتنمية البدنية، والاستراحة والاستجمام، والترويح عن النفس؟!

الرأي الآخر

سيقول قائل: إنك ظالم، ألم تعرف أن الطلاب لا يقضون أكثر من 160 يومًا في المدرسة؟ ومعنى ذلك أن بقية أيام العام يقضيها الطلاب في إجازة، وعندهم الجمعة والسبت وإجازة منتصف العام وإجازة آخر العام.

فأقول لهم: إنني قبل أن أُصدر حكمي رجعت إلى الواقع، فوجدت أن أكثر المعلمين والمعلمات يعطون الطلاب واجبات لأيام الجمعة والسبت. ومع أن الأصل أن الدراسة عندنا بنظام الفصلين، لكنني التقيت بأكثر من طالب في مختلف الصفوف فوجدت أن بعض المعلمين والمعلمات لم يقصّروا في تحميلهم واجبات تغطي كل إجازة منتصف العام.

فكيف يمكن لمثل هذا الطالب أن يتعلم القراءة، إذا كان ينظر إلى الكتب على أنها بعبع، وأنها وحش يريد أن ينقضّ عليه، وأنها سبب لحرمانه من متعة الحياة ومن الرتع واللعب وملذات الطفولة؟

— انتهى الاقتباس —

  كيف نُعيد الرتع إلى حياة أطفالنا؟

الاقتباس السابق شخّص المشكلة. والآن نأتي إلى الحلول. والحلول نوعان: ما يُطبَّق في المدرسة، وما يُطبَّق في البيت.

أولًا — في المدرسة: خمسة مقترحات عملية

الأول: رحلة استكشافية شهرية إلى بيئة مفتوحة. ليس إلى حديقة ألعاب محصورة بأسوار، بل إلى وادٍ أو جبل أو شاطئ أو مزرعة. ويُطلَق الأطفال فيها دون جدول صارم، مع إشراف بعيد لا قريب. المهمة الوحيدة: أن يلاحظوا ما حولهم ويرجعوا ببعض ما رأوا وسمعوا ولمسوا.

الثاني: حصة «الاستكشاف الصامت» الأسبوعية. خمس عشرة دقيقة في فناء المدرسة — دون كلام من المعلم ودون نشاط موجَّه — يجلس الأطفال فيها يراقبون: نملة تمشي، عصفورًا يطير، ورقة تسقط، ظلًا يتحرك. ثم يعودون إلى الفصل ويحكي كل طفل ما رأى. هذه الحصة البسيطة تُعلّم التأمل الذي أضاعته شاشات هذا العصر.

الثالث: تقليص الواجبات المنزلية. خطوة جريئة تحتاج قرارًا إداريًا، لكنها الأكثر أثرًا. الطفل الذي يعود من المدرسة في الثانية ظهرًا ثم يجلس إلى الثامنة مساءً يُنجز واجباته — لا وقت لديه ليرتع أو يلعب أو يجلس مع أهله. ومدارس متقدمة في العالم تبنّت مبدأ «لا واجبات قبل الصف الرابع» ووجدت أن تحصيل الطلاب ارتفع لا انخفض.

الرابع: إدخال «يوم بلا جدول» مرة كل شهر. يوم دراسي كامل يُفتح فيه باب المدرسة للأطفال ليفعلوا ما يشاؤون — يقرؤون، يلعبون، يرتعون في ساحة المدرسة، يتحدثون مع معلميهم كأصدقاء، يصعدون على الأشجار (بأمان). لا حصص ولا امتحانات ولا جرس ينقلهم من مكان إلى آخر. هذا اليوم يُعيد للمدرسة معناها الأصلي: مكان محبب يُنتَظر، لا سجن ينتهي.

الخامس: تصميم «ركن رتع» داخل المدرسة. مساحة في الفناء فيها تراب ورمل وماء جارٍ بسيط وبعض الحصى والنباتات. الأطفال يرتعون فيها في الاستراحة. يبنون ويهدمون ويخلطون ويكتشفون. لا ألعاب بلاستيكية جاهزة. التراب وحده خير من ألف لعبة مصنوعة.

ثانيًا — في البيت: ستة مقترحات تبدأ اليوم

  • الأول: افتحوا الباب. الطفل الذي يعيش بين أربعة جدران من بعد المدرسة حتى النوم — محروم من الرتع حتى لو أُعطي كل ألعاب الدنيا. فدعوه يخرج إلى الحارة، أو إلى الحديقة القريبة، أو إلى ساحة المسجد بعد الصلاة. لقاء الأطفال الآخرين في الشارع جزء من الرتع.
  • الثاني: رحلة أسبوعية إلى الطبيعة. يوم الجمعة أو السبت — بديلًا عن المول ومطاعم الوجبات السريعة — إلى الجبل أو الوادي أو الشاطئ أو المزرعة. ساعتان كافيتان. والطفل لا يحتاج منكم تخطيطًا ولا برنامجًا؛ يكفي أن تُطلقوه في المكان ثم تراقبوه من بعيد.
  • الثالث: نافذة الرتع اليومية. ربع ساعة كل يوم — قبل المغرب أو بعد العصر — يجلس الطفل في فناء البيت أو شرفته يراقب السماء والطيور والغيوم. لا هاتف ولا تلفاز ولا كتاب. مجرد جلوس وتأمل. وستندهشون مما يرويه لكم بعد شهر من الممارسة.
  • الرابع: تربية حيوان أو شجرة. قطة أو طائر أو شجرة في فناء البيت — شيء حي يعتني به الطفل ويراقب نموه. الرتع في أصله تأمل الحياة، وأقرب حياة للطفل هي التي يلمسها بيديه كل يوم.
  • الخامس: المشي العائلي. خرجة أسبوعية على الأقدام في حيّكم أو في متنزه قريب. دون عربات ودون جري ودون هدف محدد. مشي بطيء تسمعون فيه أصوات الحي وتتبادلون فيه الكلام. هذا المشي الذي يبدو بسيطًا يصنع في نفس الطفل ما لا تصنعه ألف رحلة إلى الملاهي.
  • السادس: قاوموا ضغط الواجبات. إذا أرسلت المدرسة لطفلكم واجبات تستغرق ساعات طويلة، فلا تخجلوا من التواصل مع الإدارة. وإن استمر الحال فخصّصوا لطفلكم «وقت الرتع» قبل الواجبات لا بعدها — فالطفل المرتاح يُنجز في ساعة ما يُنجزه المتعب في ثلاث.

ثالثًا — تنبيهات مهمة قبل أن تبدؤوا

الرتع ليس إهمالًا. الإشراف مطلوب — لكنه إشراف بعيد لا قريب. تراقبون من مسافة دون أن تتدخلوا في كل حركة. الطفل الذي يشعر أن عينًا تُراقب كل نفَس من أنفاسه لا يرتع؛ يتمثّل دور المرتع فحسب.

والرتع ليس خطرًا. كثير من الآباء يحرمون أطفالهم من الخروج خوفًا من السقوط أو الاتساخ أو التعب. والحقيقة أن الطفل الذي لم يسقط ولم يتّسخ ولم يتعب في طفولته — يسقط في شبابه سقطات أكبر، ويتّسخ اتساخًا لا يُغسَل.

والرتع ليس مضيعة للوقت. الساعة التي يقضيها طفلكم يراقب نملة أو يتتبع جدولًا صغيرًا — ساعة يتعلم فيها ما لا تُعلّمه مئة ورقة امتحان. هذا الكلام قد يبدو مبالغة لمن لم يجرّب. فجرّبوا. ثم احكموا.

الخلاصة

الرتع ليس ترفًا يُستغنى عنه، ولا وقت فراغ يُملأ بأي شيء. إنه جزء من التكوين العقلي والنفسي والروحي للطفل — جزء سماه القرآن قبل أربعة عشر قرنًا، وأغفلته الفلسفات الحديثة.

الطفل الذي يرتع ينظر إلى السماء فيرى الله فيها. ويصغي للعصفور فيسمع تسبيحه. ويتأمل الجدول فيفهم أن الماء لا يعود إلى الوراء. هذه المعاني لا تُلقَّن في فصل، ولا تُختبر في ورقة. تُعاش.

والطفل الذي يُحرَم من الرتع — ولو أكمل كل واجباته ونال أعلى الدرجات — يخرج إلى الحياة وفي داخله فراغ لا يعرف اسمه، وحنين إلى شيء لم يذق طعمه قط.

فافتحوا الباب.

وخذوهم إلى الجبل والبحر والوادي.

واتركوهم يرتعون.

هذه التدوينة جزء من سلسلة “25 قيمة لا تُعلِّمها الكتب المدرسية لأبنائك” — اقرأ التدوينة الأم الشاملة

التدوينة القادمة: ما قبل النوم — ممارسات تصنع صحة الطفل (من محور النوم والصحة)

بقلم: عبدالله بن عامر العيسري (أبو بلج)