محاور الذكر العشرة

كتبها أبو بلج عبدالله العيسري

مؤسس مدرسة القارئ العبقري

جدول المحتويات

مفتاحك السهل لفهم الإيمان

بقلم: عبدالله بن عامر العيسري (أبو بلج)


سألت طفلةٌ معلمتَها:

– ما معنى الرحمن؟

صمتت المعلمة لحظة تُرتّب الجواب. لكن الطفلة لم تنتظرها؛ أجابت بنفسها:

– الرحمن يعني أن الله يُمسكني إذا وقعتُ.

أربع كلمات. قالتها طفلة في الخامسة. ولو جلس عشرة من كبار المفسرين يُحرّرون معنى الرحمة الإلهية ما أضافوا على هذه الكلمات كثيرًا.

هذه هي الفطرة.

هذا هو الإيمان قبل أن تُثقله الشروح والتعريفات.

غير أن الفطرة وحدها لا تكفي. فهي كالبذرة: إن لم تجد من يسقيها ذبلت، وإن سقاها جاهلٌ أغرقها. والسؤال الذي يشغل كل أمٍّ وكل معلمة: كيف نُغذّي إيمان الطفل من دون أن نُحوّله إلى درس يُحفظ ويُمتحن ويُنسى؟

والجواب — وهذا ما أُبشّركم به — نجده أمامنا كل يوم، سبع عشرة مرة على الأقل، في سورة يحفظها كل مسلم على وجه الأرض.

سورة الفاتحة

هذه السورة العظيمة — أمّ القرآن، والسبع المثاني — فيها تسعة محاور تُلخّص حقيقة الإيمان والذكر. وترتيبها يسير مع ترتيب الفاتحة نفسها — وتسبقها الاستعاذة  — فلا ينساها من يحفظ الفاتحة، ولا يُخطئ ترتيبها من يُرددها في كل ركعة.

فهلمّوا.

المحاور العشرة

المحور الأول: الاستعاذة من الشيطان

قلت في كتاب (الطفل والقرآن)

و من أهم القصص التي تكررت في القرآن و ينبغي أن تتكرر في المناهج قصة خلق آدم عليه السلام، و الصراع الدائم بين الإنسان و الشيطان

هذه القصة تتكرر في منهج منتدى العباقرة كل عام، و لكن في كل عام ندرج أهدافا إضافية نسعى إلى تحقيقها

إننا نؤمن أن معرفة كيد الشيطان و سبل إغوائه هي الحرز الكفيل بوقاية الصغار من همزه و نفخه و نفثه، كما أن توصيف الشيطان على اعتباره العدو الأول للبشرية سيجنب الناس كثيرا من الصراعات التي تحدث بينهم، و تجعل أجيال الغد تشتغل بمصارعة عدوها بدل اشتغالها بالصراع فيما 

بينها” انتهى

هذا النص كان في عام ١٤٣٢، وأقول اليوم بكل اطمئنان إن المحاضن التربوية إن طبقته فسوف نجد مثل هذا المشاهد حاضرا في سلوك أطفالنا 

—————————

ضرب طفلٌ زميلَه.. ثم بكى هو قبل المضروب. سألته معلمته: لماذا تبكي وأنت الذي ضربتَ؟ قال: لأنني لم أُرِد أن أضربه.. الشيطان هو الذي دفعني.

هذا الطفل يعرف العدوَّ. وكلُّ ما يحتاجه أن يعرف السلاح: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم.

في المدرسة: تُعلَّم الاستعاذةُ قبل كل قراءة، وحين يشتدّ الغضب، وساعة الخوف. بوصفها حبلًا يتشبث به الطفل حين تهتزّ الأرض تحته.

 وفي البيت: حين يغضب الصغير أو يفزع، تقول له أمه بهدوء — لا بصراخ — : قل أعوذ بالله. وتنتظر. وستجد أن هذه الكلمة تفعل ما يعجز عنه العقاب والتهديد.

المحور الثاني: الحاكمية — بسم الله

قال النبي صلى الله عليه وسلم لغلام يأكل معه: «يا غلامُ، سمِّ اللهَ، وكُلْ بيمينكَ، وكُلْ ممَّا يَلِيكَ» — متفق عليه

ثلاث كلمات في مجلس عشاء واحد غيّرت حياة غلام. «سمِّ الله» — هذا هو الدرس كله. لا يحتاج منهجًا ولا كتابًا ولا امتحانًا.

البسملة أن يشعر الطفل أن الله حاضر معه في كل لحظة: حين يأكل، وحين يكتب، وحين يركب، وحين يفتح الباب.

في المدرسة: تُجعل البسملة طقسًا يسبق كل نشاط — الأكل والكتابة واللعب — حتى تصبح عادة لا يحتاج الطفل فيها إلى تذكير. وفي البيت: تُبسمل الأم أمام أطفالها قبل الطبخ وقبل السفر وقبل كل شيء؛ فالقدوة الصامتة أبلغ من ألف كلمة.

إن الطفل متمحور حول ذاته، وكل شيء في الحياة ينظر إليه بمنظور مصلحته الشخصية، وليس أمامنا لتعديل سلوكه المستقبلي سوى طريق واحد؛ وهو أن نغرس فيه أن الحكم لله، وأن كل الأقوال والأفعال والاعتقادات لا بد أن تكون منطلقة (باسم الله).

فإن لم نفعل فإن هذا الطفل سيتحول – حين يكبر – إلى وحش كاسر؛ يتصرف في كل شيء حسب شريعة الغاب

المحور الثالث: أسماء الله الحسنى

طفل يخاف الظلام. أمه تقول له: الله الحفيظ معك. طفل ضاعت لعبته. أمه تقول: ادعُ الله باسمه الهادي أن يدلّك عليها. طفل مريض. أمه تقول: الشافي هو الله.

في المدرسة: يُخصَّص كل أسبوع لاسم واحد من أسماء الله الحسنى — يُشرح بقصة، ويُرسم بنشاط، ويُسأل الأطفال: كيف تشعرون حين تعرفون أن الله السميع يسمع دعاءكم حتى لو همستم به؟

هكذا تتحول الأسماء الحسنى من قائمة تُحفظ إلى سكينة يأنس بها الطفل في كل موقف.

وفي البيت: تُربط الأسماء بالمواقف اليومية. فلا يمرّ يوم من دون أن يسمع الطفل اسمًا من أسماء الله في سياق حيّ يلمسه ويعيشه.

المحور الرابع: حمد الله

تقول أم البلجاء في كتابها (حكايات أم)

بعد حضوري لدورة التدبر للشيخ بوسنان حفظه الله ، منّ الله علينا بتدبر النعم مع أولادي وذلك من خلال لعبة النعم، وتكون في وقت الوجبة والأسرة مجتمعة بأن يقول كل واحد الحمد لله الذي رزقني نعمة ويذكر النعمة ويستشعرها ويتكلم فيها الشيء البسيط مع ذكر آية متعلقة بها إذا تذكر الآية المناسبة، مثلا نعمة الماء “وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ”

اللعبة ذكرتنا بنعم لم نفكر فيها، فاستشعرناها والحمد لله، خاصة أنها كانت من أفواه الصغار

ثم طفقنا نطبقها يوميا في مركز العيسري عند العباقرة وقد آتت أكلها والحمد لله . آهـ

في حلقة صباحية سُئل الأطفال: ما النعمة التي تحمدون الله عليها اليوم؟

قال طفل: أحمد الله أن أمي رجعت من المستشفى.

وقالت طفلة: أحمد الله أن عندي صديقة.

وقال ثالث — وعمره ستّ سنوات — : أحمد الله أنني أستطيع أن أمشي.

أيّ فيلسوف يستطيع أن يقول أعمق من هذا؟

الحمد يبني في الطفل الرضا والامتنان — وهما الدرع الذي يحميه من أمراض القلق والجحود التي تفتك بأبناء هذا الزمان.

في المدرسة: تُمارَس «دائرة الحمد» كل صباح. وفي البيت: قبل النوم تسأل الأم: ما أجمل شيء حدث لك اليوم؟ ويقولان معًا: الحمد لله. دقيقة واحدة كل ليلة.. أثرها يمتد سنين.

المحور الخامس: تعظيم الله

من القصص التي ذكرتها في فصل (الذكاء التأملي) في كتاب (الطفل والقرآن) 

هذه القصة:

“ذات مرة اتصل بي أحد أصدقائي ظهرا فحدست أنه أمر عاجل، و كأن الرجل قرأ حدسي فعاجلني بقوله: ليس هناك شيء عاجل، و لكني كنت قبل قليل مع صغيري الذي يدرس معكم، و قد كان يحدثني عن قوله سبحانه (و الأنعام خلقها لكم) .. لقد حدثني هذا الصغير فحسبت نفسي أمام حكيم من الحكماء .. كنت أحسب أن ولدي سيتعلم العلم لكنني لم يخطر على بالي أن يجمع إلى العلم الحكمة

و يضيف محدثي: لقد طفرت الدمعة من عيني و هو يقول لي: يجب أن نشكر الله لأنه خلق الأنعام لنا .. لم أستطع أن أتوانى في الاتصال بكم، لأشكركم، و لأبعث معكم شكرا خاصا للمعلمة التي طبعت فيه هذه المعاني” 

إن غرس تعظيم الله مرتبط بترسيخ أنه (رب العالمين)

فالرب هو المالك والراعي

وإن كان الناس يعظمون ملكا من الملوك لأنه يرعى دولة كبيرة مترامية الأطراف فإن الله تعالى هو المستحق وحده للتعظيم المطلق؛ كيف وهو رب كل شيء.

و من طرق غرس التعظيم التي كنا نستخدمها في مركز العيسري “تأمل الجراد؛ إذ تأتي المعلمة بجرادة إلى داخل الفصل، و يتحلق العباقرة الصغار حولها و يقضون دقائق من التأمل العميق في أجزاء الجرادة ..رأسها .. عيونها .. قرون الاستشعار .. أجنحتها .. طولها .. شكل أرجلها .. ملمسها.. و هكذا

وبعد دقائق التأمل يذكر كل عبقري ما لاحظه و شد انتباهه

تربط المعلمة التأمل بترسيخ الإيمان بالخالق جل و علا، فتذكرهم بأن هذا خلق الله سبحانه و تعالى، و أن هذه الجرادة دليل على عظم خلقه سبحانه

وتكون المعلمة قد حضرت بعض المعلومات السهلة حول الجراد”

هذا الأسلوب يمكن تطبيقه في المدرسة وفي البيت؛ على كل المخلوقات التي يراها الأطفال من حولهم

المحور السادس: ذكر اليوم الآخر

يحتاج الطفل أن يعرف — بلغة رفيقة لا مُرعبة — أن هذه الحياة لها ما بعدها، وأن بعدها لقاء مع الله فيه حساب وفيه جزاء.

والمدخل الصحيح للأطفال هو الحديث عن نطيل الحديث عن الجنة وما فيها من نعيم؛ من خلال آيات القرآن، وأن نذكر النار وما فيها من عذاب؛ بحسب سن الطفل. 

ومن الخطأ البين أن نجتنب ذكر النار مطلقا؛ فإن الطفل سيجد ذكرها متكررا في قصار السور، كما أن ترك ذكرها يجعله يتجرأ على حقوق الآخرين حتى بعد أن يكبر.

ومن هنا نفهم لماذا اختار الله تعالى أن يسمي يوم القيامة في سورة الفاتحة (يوم الدين) فالدين هنا يعني الجزاء على الأعمال، إن خيرا فخير، وإن شرا فشر

المحور السابع: قصر العبادة على الله

لماذا نصلّي؟ لماذا نصدُق؟ لماذا نُحسن إلى الفقير؟

الجواب يرجع دائمًا إلى مكان واحد: لأن الله أمر بذلك.

هذا المحور يغرس في الطفل أن كل فعل حسن يفعله إنما هو لله. والطفل الذي يفهم هذا في صغره يكبر حرًّا كريمًا؛ لا يخضع لمخلوق ولا يتزلف لأحد من دون خالقه.

في المدرسة: يُربط كل سلوك حسن بالله. وفي البيت: حين تُثني الأم على طفلها تقول: الله يحبّ من يفعل هذا. فيتعلم أن أعلى المكافآت رضا الله.

فنحن نغتسل لأن الله يحب المتطهرين، ونحن نطهر ثيابنا لأن الله تعالى قال: (وَثِيابَكَ فَطَهِّر)

ونحن نصبر على الآلام لأن الله يحب الصابرين

المحور الثامن: قصر الاستعانة على الله

قال النبي صلى الله عليه وسلم لابن عباس وكان غلامًا: «احفَظِ اللهَ يحفَظْكَ، احفَظِ اللهَ تَجِدْهُ تُجاهَكَ، إذا سألتَ فاسألِ اللهَ، وإذا استعنتَ فاستعِنْ باللهِ» — رواه الترمذي وقال: حسن صحيح

تأمّلوا: النبي صلى الله عليه وسلم لم ينتظر حتى يكبر ابن عباس ليُعلّمه هذا الدرس. علّمه إياه وهو غلام. لأن الطفل الذي يعتاد الاستعانة بالله يكبر قويًا حتى لو بدا في أعين الناس ضعيفًا.

في المدرسة: حين يعجز الطفل عن مسألة يُقال له: استعن بالله وحاول مرة أخرى. لا يُقال له: أنت ضعيف. يُقال له: ربّك قوي. وفي البيت: قبل كل تحدٍّ تقول الأم لطفلها: استعن بالله ولا تعجز — كما قال صلى الله عليه وسلم فيما رواه مسلم.

المحور التاسع: الدعاء

الدعاء أسهل باب بين الطفل وربه؛ لأنه يتكلم مع الله بكلماته هو، لا بكلمات غيره.

في حلقة دعاء رفع طفلٌ يديه وقال: يا ربِّ أرجع أبي من السفر سريعًا.. وبكى. ثم عاد أبوه بعد أيام فجاء يركض إلى معلمته ويصيح: الله استجاب لي!

هذه اللحظات لا تُصنع في فصل مُغلق.

تُصنع حين نفتح للطفل باب المناجاة مع ربه ونتركه يتكلم كما يشاء.

في المدرسة: تُخصَّص لحظة دعاء كل يوم يدعو فيها الأطفال بما في صدورهم — من دون قيد ومن دون نصّ جاهز. وفي البيت: تُعلّم الأم طفلها أن يدعو في أي وقت — في السجود وقبل النوم وحين يرى المطر — بأي كلمات يشعر بها.

﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾

المحور العاشر: الاقتداء بأولياء الله

آخر المحاور: أن يعرف الطفل أن قبله أناسًا طيبين سلكوا هذا الطريق — الأنبياء والصالحون — وأن الله حفظ قصصهم في القرآن ليقتدي بهم الناس إلى يوم القيامة.

في المدرسة: تُحكى كل أسبوع قصة نبي أو صالح بأسلوب يشدّ الطفل ويُدخله في المشهد حتى يكاد يلمس أحداثه. وفي البيت: تقرأ الأم قبل النوم موقفًا من سيرة النبي صلى الله عليه وسلم — لا قصة مملّة تُسمع وتُنسى، بل حكاية تبني في وجدان الطفل قدوةً تحميه من عشرات القدوات المزيّفة التي تتساقط عليه من كل شاشة.

الخلاصة

عشرة محاور. مستخرجة من سورة الفاتحة. لا تجد آية في كتاب الله إلا وتتضمن واحدًا منها أو أكثر.

والعجيب أن تلك الطفلة التي قالت «يُمسكني إذا وقعتُ» كانت تُلخّص — من حيث لا تدري — معنى الاستعاذة والاستعانة والدعاء في جملة واحدة.

لأن الفطرة السليمة حين تُترك تنطق بالحق من دون تكلّف.

ومهمتنا — في المدرسة والبيت معًا — أن نسقي هذه الفطرة من ماء القرآن حتى تكبر شجرة لا تقتلعها رياح هذا الزمان.

وفي مدرسة القارئ العبقري نسعى أن تكون هذه المحاور العشرة حاضرة في كل يوم — في الطابور والحصة والاستراحة

 ونحرص على تحويلها إلى مصفوفة مدى وتتابع؛ حتى يتشرّبها عباقرتنا على مكث، ولا تبقى حبرًا على ورق.

ونحرص على الارتباط مع المحاضن التربوية الأخرى التي تكمل المسيرة؛ مثل محضن البيت ومحضن المسجد وبقية مؤسسات المجتمع المدني 

هذه التدوينة جزء من سلسلة “25 قيمة لا تُعلِّمها الكتب المدرسية لأبنائك” — اقرأ التدوينة الأم الشاملة على موقع مدرسة القارئ العبقري

التدوينة القادمة: القرآن الكريم — ست علاقات تصنع جيلًا قرآنيًا (من محور العلم)

بقلم: عبدالله بن عامر العيسري (أبو بلج)  —  المؤسس — مدرسة القارئ العبقري